الأمور تُقَيّم – عند العقلاء وفي الثقافات الواعية – بحقيقتها وجوهرها ونتائجها الواقعية والحقيقية والملموسة، ومدى ما تضيفه إلى حياة الإنسانية وحضارتها من معطيات وجوانب ومنافع وفوائد، وما تحققه في مجال الاختصاص أيّا كان هذا المجال من منجز وتأثير وتقدم.
ولو انطلقنا في حياتنا الشخصية وفي ممارساتنا الاجتماعية وفي جميع شؤوننا على مختلف المستويات من منطلق أن يكون جوهر العمل ونفعه الحقيقي وثمرته أولا، وأن يتم التركيز على مخرجاته ونتائجه الحقيقية، وأن تكون الأمور الهامشية أو الأقل أهمية وتأثيرا آخِرا، فستتغير المعادلة وتختلف نظرتنا وطريقة تعاطينا مع كثير من أمورنا الحياتية العامة والخاصة.
ولو عملنا بوعي ومصداقية وبمعزل عن هذا التمظهر الذي يُعنى بالهامش بصورة مبالغ فيها ويُهمل المتن والجوهر ويعطي الأمور الأقل أهمية وتأثيرا أكثر مما تستحق، ويضعها في المقدمة، ويغيّب الأهداف الحقيقية للعمل، ويكلف الكثير من الأعباء المادية والبشرية، وكان المحور ومناط الاهتمام هو النتيجة وليس الشكل أو المظهر؛ لاستطعنا أن نقضي على كثير من المشكلات، وأن نحقق العديد من الإنجازات بأعباء وتكاليف محدودة.
ولو حاولنا أن نستفتي العاملين على كثير من الملتقيات والمؤتمرات والمهرجانات والمشاريع الحضارية على اختلاف مستوياتها في وطننا العربي عموما وفي الدول الغنية على نحو خاص عن حجم العبء المتصل بجوهر العمل وحجم العبء الذي يتصل بالشكل ويهدف إلى الظهور بمظهر معين لوجدنا كثيرا من الجهود والأموال تُهدر وتُستهلك في (البرستيج) الذي لا يتجاوز أن يكون جانبا شكليّا لا أكثر.
وإذا ما تجاوزنا الجهود والأعباء البشرية التي تُصرف في هذا التمظهر رغم أهميتها وأهمية أن يتم استغلالها والاستفادة منها على النحو المرجو والمفيد فيما هو أَوْلَى وأهم، ووقفنا على حقيقة هذه الثقافة السلبية التي تكوّنت، وهي ثقافة تنطلق من الشكل والمظهر أولا، ولا يشكل عندها المتن والجوهر ذات الأهمية التي يشكلها الهامش، وجدنا أنفسنا أمام ثقافة سلبية تشكلت بمرور الزمن وإدمان الممارسة حتى غدت جزءا من التكوين.
إن هذه الثقافة التمظهرية هي ثقافة سلبية جدّا؛ لأنها لا تُعنى بالجوهر والحقيقة والمضمون بقدر عنايتها بالشكل، ومن هنا تبقى ثقافة لا تحترم العقل والوعي، ولا تنطلق منهما، وإنما تأخذ في اعتبارها الأشكال والقشور.
إنها مشكلة نعانيها في منازلنا قبل كل شيء، وننطلق لنلمسها في أكثر شؤون حياتنا، وهي مشكلة أسهمنا بقصد أو بغير قصد في صنعها وتنميتها وغرسها ثقافة في نفوس أبنائنا؛ لنصحو أمام أزمة الاحتفاء والاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وهو الاهتمام الذي يكلّفنا ماديّا، ويبدد كثيرا من أوقاتنا، ويتسبب في هدرهما بطريقة تؤلمنا وتزعجنا، وهو أمر صار مفروضا (اجتماعيّا) علينا بإرادتنا، ولن يقوض هذا الاتجاه وهذه الثقافة سوى الإرادة الحقيقية التي تضع الأمور في سياقها الصحيح.
mofleh.
z@makkahnp.
com