وصل الوعي المرحلي اليوم إلى حالة مؤسفة من انعدام القدرة على تقبل الآخر المختلف فكرا ورأيا، فضلا عن المختلف مذهبا ودينا، فحين تشاهد كمية ردود الأفعال المتشنجة تجاه من يطرح رأيا - مجرد رأي لن يقدم أو يؤخر على الأرض - ستصاب بالذهول تجاه سر ذلك التشنج من مجرد الرأي.
ذلك التشنج له جذوره في عمق المنظومة التربوية التي استهدفت عدة أجيال تمت برمجة وعيها بطريقة خشنة للغاية، فزرعت بعض القيم التي انطلقت بداية من أفكار خاصة صيغت في مرحلة زمنية سابقة اتسمت هي ذاتها بالتشنج المرحلي، ثم استمرت المحافظة على ذات الأفكار وذات التجذير التربوي الخشن، حتى جاءت اللحظة الزمنية التي أصبحت فيها تلك الأفكار موضع إشكال وتعقيد حقيقي لا يزال ينتج مختلف المشكلات الاجتماعية المعاصرة.
تمت زراعة بعض القيم والأفكار والتصورات على أنها حقائق لا تقبل الجدل، وفي أجوائنا العامة التي تندر أو تنعدم فيها صور التعددية الصحية لأي مجتمع معاصر، سوف تتجاوز تلك التصورات التي أصبحت (ماركة ثقافية) مميزة لنا لتصبح بعد ذلك حقوقا خاصة بذلك الشخص الذي ما إن يرى أي (اعتداء) متصور على مكانة قناعاته المتجذرة حتى يعتقد أنه اعتداء على حقوقه الخاصة، ومن هنا نفسر كل تلك الشراسة والتشنج في مقاومة أي رأي مختلف؛ وذلك أن هذا الاختلاف ليس أكثر من اعتقاد بأنها محاولة انتزاع لذلك الحق المزروع في ذهنية ذلك المتشنج.
المخرجات الطبيعية للحالة الإقصائية المزهوة بذاتها والرافضة لغيرها هي مخرجات كارثية، ليست فقط منحصرة بإعاقة النمو المفترض في مفاهيم الإنسانية والحقوق والتعايش والتسامح، بل تؤسس بامتياز لتقبل ثقافة العنف والإرهاب، وتعطي البيئة المناسبة لنمو وترعرع تلك الثقافة؛ وذلك لأنها تخنق مجال الرؤية والإدراك، فتضيق التصورات ويتزيف الوعي، وبالتالي يسهل انقياده إلى أي نقطة يمكنها أن تستثمر في تركيبته الهشة، وتوجهه التوجيه الذي تريده.
لقد أصبحنا في واقع زمني لم يعد فيه ممكنا استمرار ذات النهج التربوي والوعظي والإعلامي والسلوكي أيضا الذي يدعم تلك الأحادية التي وسمت الأجيال بوسمها الخاص والمرهق لواقعهم والمتجني على مستقبلهم، والذي أنتج لنا مختلف الأمراض الفكرية والاجتماعية المتعددة، والتي من بينها بطبيعة الحال النفاق المشاهد في الأقوال والأفعال، والكراهية الناتجة عن أي اختلاف قد يخدش ركود السائد المألوف.
نحن بحاجة ماسة إلى فتح نوافذ الهواء في وعينا الاجتماعي والفكري، ومن غير المنطقي استمرار ذلك الانفصام الفظيع بيننا وبين الزمن، وبيننا وبين (الإنسان) المتواري خجلا في دواخلنا.
المسألة ليست ترفا، بل هي حاجة حضارية ماسة، بل أعتقد أنها العنصر التنموي الأول لتكوين مجتمع متعايش متماسك؛ فالأحادية السائدة ذات الصخب العالي والسطوة المتعدية لن تصنع التعايش الضروري لاستقرار أي بلد، لا سيما والمنطقة تشهد توترا يحيط بنا من الجوانب كافة، والقضية مستقبلية، ولا أتمنى أن تفهم على أنها انهزام أمام الواقع، بل هي انتصار على الذات، وإدراك عميق للواقع، ولحاق بالمستقبل، وسد لثغرات المركب الذي يجمعنا جميعا متجها بنا إلى مصير واحد.
الأحادية الحادة
وحيد الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
