حتى يكون للعنوان مسوغ موضوعي دعوني أطرح بعض الأسئلة التي قد تجعلنا نصل لنتيجة مقنعة نستطيع من خلالها معرفة ما إذا كان الفارابي وابن سينا وغيرهما من المحسوبين على الفلسفة الإسلامية مجرد أغبياء أم هم فلاسفة حقيقيون ظلمهم التاريخ والمجتمع؟!لماذا اندثرت فلسفة الفارابي وابن سينا والكندي وابن مسكويه وغيرهم ممن اشتغلوا في الحقل الفلسفي ولم يستطيعوا تفكيك سلطة فقهاء الاستبداد وهيمنتهم على الفضاء العام والمجتمع والنص وكل شيء تقريبا؟ ولماذا في المقابل نجح الفلاسفة الغربيون في معركتهم مع رجال الدين؟ ولماذا الفلسفة الإسلامية لم تكن جزءا من الفلسفة الإنسانية بكامل إرثها وهل ذلك كان بفعل المركزية الغربية وتحامل الحضارة الغربية أم إنهم فعلا لم يقدموا شيئا يستحق أن يبقى؟!وحتى نستطيع أن نجيب عن هذه الأسئلة دعونا نقارن بين الفلاسفة الغربيين الذين نجحوا في نشر رؤاهم وطروحاتهم التي أسست للحضارة الغربية الرائدة وبين فلاسفتنا البؤساء.
الفلاسفة الغربيون نجحوا ببساطة لأنهم كانوا قريبين من مشاكل مجتمعاتهم التي كانت بالمقام الأول ذات طابع سياسي فاختصروا الطريق وشرعوا في البحث في شرعية السلطة والدولة وطبيعة علاقة المجتمع بالدولة والدين، وزعزعوا هيمنة رجال الكنيسة وقوضوا سلطتهم؛ بينما الفلاسفة المسلمون غرقوا في الحقل الميتافيزيقي وظلوا يجترون فلسفة ما وراء الطبيعة اليونانية حتى انفصلوا عن المجتمع والعالم كله.
وحتى الذي تكلف وناقش الشأن السياسي تعاطى معه بطريقة ميتافيزيقة وطرح حلولا أقرب ما تكون للخيال مثل رؤية الفارابي الذي قال بأن خلاص الناس يأتي من خلال تولي الفيلسوف رئاسة الدولة! بل إن كتابه ذا العنوان الجميل «السياسة المدنية» والذي من المفترض أن يعبر عن عنوانه كان ميتافيزيقيا محضا.
خذ على سبيل المثال ابن رشد أشهر فيلسوف عربي ليس له مشروع فكري يتعلق بالشأن السياسي ولم يأخذ شهرته إلا من خلال ترجمته لأعمال أرسطو وحسب.
بينما نجح الفقهاء بأن يكونوا قريبين من هموم المجتمع وآماله وتطلعاته وقد نجح الحنابلة في هذا المجال بينما فشل فقهاء المعتزلة الذين كانوا قريبين من تفكير الفلاسفة سيما في انفصالهم عن الواقع.
وحتى نكون منصفين تخيلوا أن مفهوما كالحرية والذي يعد أهم وأبرز مفهوم إنساني لم ينل حقه من البحث والدراسة ولم يبلور الفلاسفة المسلمون مفاهيم راسخة عنه وعن العدالة والحق والسلطة وحدودها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد وحسب بل إن الفلاسفة المسلمين لم يناقشوا أساسا النص الديني نقاشا جديا بشكل أصيل، كانوا منعزلين عن الواقع والناس والنص والدين والدولة حتى نسيهم الناس والتاريخ.
لذا لم يكن هناك ما يستحق أن يبقى.
البعض قد يتعاطى مع الموضوع بطريقة درامية وهي كيف أن الفقهاء بخبثهم ودهائهم استطاعوا إقصاء الفلاسفة من وجدان الناس بينما وقعوا ضحية جهل الغوغاء بهم وبطرحهم العظيم، لكن الحقيقة هي أن الفلاسفة المسلمين لم يكلفوا أنفسهم عناء الحضور إلى وجدان الناس من خلال مناقشة النص والدين والدولة والسلطة والمبادئ الإنسانية الكبرى كالحرية والعدالة وغيرها، بعكس الفلاسفة الغربيين الذين كسبوا ثقة المجتمعات من خلال كسر احتكار رجال الدين للدين والدولة والسلطة.
بل حتى الميتافيزيقيين الغربيين لا تكاد تجد أحدهم تجاهل المبادئ الكبرى أو الشأن السياسي.
الناس ليسوا بحاجة إلى معرفة مأزق نظرية المعرفة، ولا إلى معرفة البيضة خلقت أولا أم الدجاجة، أو ما هو أصل الأشياء؟ وليسوا مهتمين بقضايا الزمن والخلود والوجود والعدم وأصل الكون، بقدر ما هم مهتمون بحدود صلاحيات الحاكم وشرعية السلطة وطبيعة علاقة المجتمع بالدولة والحقوق المكتسبة وكل ما يتعلق بالحرية والكرامة والعدالة.
حتى لا نكرر غباء الفارابي وابن سينا!
فايد العليوي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
