خارطة الإعلام السعودي غنية بعديد من المؤسسات الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة، لكنها وبكل شفافية قليلة الفاعلية ومحدودة الفائدة وغير جاذبة للمتابعة الجماهيرية في عصر الإعلام الرقمي وعولمة نظم الإعلام والاتصالات، ويعزى ذلك إلى سبب رئيس هو أننا لم نحول الإعلام إلى صناعة عملاقة مؤثرة في زمن القوة الناعمة التي تعزز من مكانة الدولة ومستوى تأثيرها الإقليمي والدولي وتخلق فرصا وظيفية كبيرة وتدر أرباحا بمليارات الريالات السعودية، بل بقي إعلامنا خاضعا للهيمنة الحكومية ومكبلا بقيود صارمة من الضوابط والرقابة تحت ذريعة خصوصية المجتمع وثوابته.

ولو تأملنا في دور الإعلام كصحافة وتلفزيون وإذاعة لوجدنا أنه عبر التاريخ لا يخرج عن كونه عملية اتصال بين مرسل ومستقبل، وبينهما رسالة ذات محتوى تقدمها وسيلة اتصال فاعلة وتغذية راجعة بين أطرافه، ووظائفه تطورت من الوظيفة الخبرية التقليدية إلى الوظيفة الخبرية والتفسيرية لمدلولات الأخبار، إضافة إلى الوظيفة التثقيفية والتربوية والترفيهية والحوارية لتشكيل عقل الإنسان وفكره ومواقفه، وحتى عواطفه.

ولأهمية عملية الاتصال في حياة الناس تطورت وسائل الاتصال بفعل الثورة الرقمية التي أحدثت تزاوجا كبيرا بين انفجار المعلومات والتقنية الحديثة متمثلة في تكنولوجيا الاتصالات بكل وسائلها المعاصرة، لتفرز الإعلام الرقمي كنمط إعلامي جديد يختلف في سماته عن أنماط الإعلام السابقة وفي تأثيراته، وهو ليس مجرد طغيان الوسيط الالكتروني، وإنما طبيعة الرسائل في مزيج من النص والصورة والفيديو وظهور مستحدثات تكنولوجية في مجال أساليب التحرير والطباعة وإرسال الصفحات والإنتاج والإخراج وسرعة تدفقها وطرق توزيعها واستقبالها والتفاعل معها، وليتحول المجتمع إلى مجتمع المعلومات الذي يعتمد كليا على المعلومات كمورد استثماري وكسلعة في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين نوعية الحياة.

والواقع كشفت أحداث الخمس السنوات الأخيرة منذ بداية عاصفة الحزم مرورا بقضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وانتهاء باكتتاب شركة أرامكو ضعف الإعلام السعودي المعاصر بصوره المختلطة التقليدية والرقمية في تشكيل رأي عام قادر على إقناع المجتمع الداخلي والدولي بوجهة نظر الدولة الرسمية أو حتى على الأقل تقديم رسالة إعلامية تستحق المتابعة والاهتمام؟.

وأبرز مظاهر الضعف ضحالة المضمون وفقد الدينامية والحركة وغياب العمل الإعلامي المؤسسي والعجز عن تجاوز الحدود الجغرافية، واستمرار الخضوع للرقابة الإعلامية والمالية والإدارية من قبل وزارة الإعلام، واستمرار إدارته بعقلية حكومية صرفة، وضعف الكفاءات الإعلامية، وضعف النقابات الإعلامية مع ندرتها، وانخفاض المعايير الإعلامية في سبيل البحث عن الجماهير في بيئة التنافس الإعلامي، وضعف المخصصات المالية للعاملين فيه من رواتب ومكافآت وبدلات. وهو ما دفع المتابع المحلي إلى الاعتماد على الإعلام الدولي في متابعة قضاياه الداخلية والخارجية أو على وسائل التواصل الاجتماعي كتويتر وفيس بوك ويوتيوب، بل ومع الأسف تلقى الإعلام السعودي نقدا غير مباشر في بعض وسائل الإعلام الدولي كالواشنطن بوست والغارديان ونيويورك تايمز وغيرها، وهو ما يعني ضرورة التعجيل بإعادة صناعة الإعلام السعودي ليواكب السعودية الجديدة المختلفة في كل شيء.

لقد أصبح لزاما علينا عصرنة الإعلام السعودي في ضوء واقعه أو إعادة صناعته والصناعات المتفرعة منه، كالنشر والدعاية والتسويق والعلاقات العامة، ليكون إعلاما رقميا بمعنى الكلمة، وهناك استراتيجيات عدة، أهمها أن ترفع الحكومة مستوى ممارسة الحريات الإعلامية المسؤولة، وحث الأفراد والمؤسسات الإعلامية من صحافة وتلفزيون وإذاعة على الممارسات الإعلامية الحرة في إطار إشرافي يكفل للحكومة ضمان المحافظة على هويتها ووحدتها وكيانها واستقرارها، وإعادة تنظيم وسائل الإعلام الرسمي هيكليا، وتحويلها إلى شركات وطنية مساهمة للحد من احتكارها من قبل الحكومة أو رجال الأعمال أو حتى المجموعات الإعلامية العائلية، وبما يسهم في زيادة فاعليتها أو على الأقل تحويلها إلى قطاعات حكومية شبه مستقلة في تنظيمها الإداري بمجالس أمناء تمنحها مساحة كبيرة من الحريات في رسم سياساتها الإعلامية وتطوير مواردها، واستعادة وسائل إعلامنا المهاجرة من دبي ولندن والقاهرة وبيروت، وتذليل كل الصعوبات لتوطينها والاستفادة من تجارب المؤسسات الإعلامية الكبرى الناجحة في ممارساتها الإعلامية من خلال عقد شراكات حقيقية، وتبادل منافع معها على مستوى السياسات والتجهيزات وحتى الخبرات الإعلامية المرموقة، وتمهين الإعلام الرسمي من خلال التأهيل العلمي والتدريب المتخصص للإعلامين في مؤسسات إعلامية محترفة، وإعادة هيكلة كليات الإعلام في الجامعات السعودية في تخصصاتها الدقيقة المعاصرة وفي جودة اختيار طلابها وفق معايير نوعية تقيس جزءا كبيرا من المواهب الفطرية للطلاب المتقدمين لكليات الإعلام.

ولعل تظاهرة منتدى وجائزة الإعلام السعودي تحت شعار «صناعة الإعلام: الفرص والتحديات» وما أسفرت عنه من توصيات تكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو صناعة الإعلام السعودي المؤثر محليا ودوليا والعمل الجاد لنقل تلك التوصيات من إطارها النظري، وتحويلها إلى خطة عمل إعلامية وطنية معتمدة من صاحب الصلاحية، بما يمكننا من تحقيق رؤيتنا في 2030 ورسالتنا الحضارية كدولة مشاركة في صناعة الحضارة الإنسانية المعاصرة ومحبة للسلام وراعية لجهود استقرار العالم ورفاه الإنسان.

@drAlshreefTalal