ألفت وصديق لي أن نمشي يوميا رغبة في إنقاص شيء مما نحمله على كاهلنا من هموم تثقل قلوبنا، وترهق أجسادنا، إيمانا بأن في المشي سبع فوائد كما يقال، وليس أهمها التخلص من سعرات ثقيلة يحذر الأطباء من وجودها.

في رحلتنا اليومية ألفت وصاحبي تبادل عديد من القصص المستمدة من تراثنا الإنساني، وتاريخنا العربي، وحكايات ثرية مرتبطة بآبائنا وأجدادنا، فتراه يبحر في تدفقه عن والده وجده، وكيف واجها موقفا ما، وردة فعلهما من قضية حدثت، وبالمثل أستدعي من ذاكرتي المكتنزة العديد من الحكايا التي عشتها مع أبي، وسمعتها عن جدي، وعرفتها عن أسرتي وبني قومي.

وهكذا تمشي بنا أقدامنا ولا ندرك كيف انتهينا من جولتنا اليومية، وقد شحذنا نفوسنا بقصص مليئة بالمروءات والقيم والأخلاق الكريمة، سواء من حكايا الآباء والأجداد، أو من قصص التراث العربي الزاخر، ذلك الموروث الذي تم حفظه في عديد من المصنفات، وكانت زادنا الثري في لحظات تكويننا، واليوم باتت مجهولة لا يأبه بها أبناؤنا للأسف الشديد.

أقول ذلك وأنا أستشعر المرارة والخوف الشديد من مستقبل قاتم يمكن أن تعيشه أجيالنا القادمة، مستقبل فاقد لكل معاني القيم والمروءة التي لا يمكن استقاؤها إلا من خلال التجارب والمشاهدات والقراءات المتنوعة في حكايا وقصص التراث.

وبحكم أن مجتمعنا قد نحا صوب الفردانية، وتقطعت أواصره بحكم ما طرأ علينا من مفاهيم دينية خاطئة جثمت على صدورنا خلال فترة ما يسمى اصطلاحا بالصحوة، وبحكم ما فرض علينا من نمط اجتماعي ذي ملامح غربية من خلال قائمة المسلسلات والأفلام المصرية أولا، تعزز لدى البعض بطبيعة التأثر بواقع المجتمع الغربي، ولازم ذلك تأثير الواقع الاقتصادي على بنية المجتمع السعودي بخاصة، والعربي بوجه عام، الذي فرض على العديد من الأسر الانزواء في شقق معزولة عن بعضها البعض، وبيوت مفصولة عن الأخرى، وكأنها جزر متباعدة مع قربها، متوحشة في كينونتها مع مدنيتها، وكل ذلك قد واكبه انعزال داخل انعزال، فترى هذه الأسرة النووية قد تشظت في داخلها إلى جزر متباعدة موحشة أيضا، ووافق هذا تباعد عن خاصية القراءة، وخاصة للموروث.

أمام كل هذا، كيف يمكن للقيم أن تبنى؟ وكيف يتأتى لنماذج المروءات أن تتأسس في دواخل أبنائنا وبناتنا، وهم لم يشهدوها ماثلة في محيط مجتمعهم الكبير حيث الجدات والأجداد ومن يلوذ بهم، ثم هم لم يعرفوها قراءة عبر كتب التراث وقصص العرب، ثم بعد ذلك يأتي من يتساءل بدهشة قائلا: لماذا وكيف أصبحنا مجتمعا ضعيفا في مضامين قيمه، خاليا من نماذج مروءاته، تتعزز فيه روح الفردانية المقيتة؟ والأدهى والأمر حين تتكرس تلك الفردانية الأنوية باسم إرشادات تطوير الذات، وما أدراك ما تطوير الذات؟!

ما أحوجنا واقعا ونحن نعيش ونلمس لب إشكالنا أن نستعيد وعينا بأهمية لفت أنظار أجيالنا الجديدة للعودة بالقراءة إلى حكايا التراث، بل ما أوجب أن تسعى مدن الإنتاج إلى أن تعيد إخراج تلك الحكايا وفق نماذج حديثة من الإنتاج المرئي لكل مراحل العمر، ورحم الله الفنان اللبناني العربي المبدع رشيد علامة، الذي لم أنس كل مسلسلاته التلفزيونية على بساطة إنتاجها، وما فيها من حكم ومروءات وقيم عظيمة.

@zash113