العربي ابن الحضارات الإنسانية القديمة، والصحراء المجيدة، خلق أبيا، باحثا عن الحرية، وعن الحال الأفضل.

وقد أوجده الله على أرض الشرق الأوسط، الغنية ليس فقط بتاريخها، وشعبها العنيد، ولكن بالثروات والبركات، فلا يكاد هذا الشعب يمس الثرى إلا ويجد الخيرات، والبترول، والمعادن، والغاز، والثمار، والثروة الحيوانية، ومصادر المياه العذبة، بحيث إنه لو تُرك له المجال لكان ندا لكل الدول والإمبراطوريات والسلطنات والحضارات القريبة والبعيدة، مما جعله على مدى التاريخ هدفا لكل مريد، ومطمعا لكل حضارة أعجمية مارقة.

ولم يكن للغزاة والمحتلين على طوال العصور قدرة على إخضاع هذا الشعب بشكل نهائي، فالقوة وحدها لم تكن تكفي، وكان لا بد من إيجاد وسيلة أنجع للسيطرة.

جرب أعداء العرب والطامعون في خيرات بلدانهم الاحتلال العسكري، ولكنهم وجدوا المقاومة الشديدة، ومن يثورون ويرفضون الذل والخنوع.

جربوا الدموية والدمار والحصار والمعتقلات، وتعميم الجهل ونشر الخرافات وتوطين الفقر ونشر البطالة، والتجنيد الإجباري والسخرة، وترك الأمراض تعيث بالمجتمعات، ولكن النتيجة لم تكن مرضية للمحتل، ولا مستقرة مستمرة.

فتوجهت حيل المحتل إلى غزو المعتقد (نقطة ضعف العربي)، فالشعوب العربية مؤمنة بطبعها، عاطفية بمشاعرها، تبحث عن يقين واستقرار نفسي وروحي يساعدها على تقبل قدرها التعيس، والرضا بأقل القليل من حياة الدنيا الزائلة، وتأجيل مطالبها وأمنياتها العظيمة ليوم الآخرة.

وعليه فقد تقبل كثير من العرب أوضاع الاحتلال المزرية، وتوجه مسيرا بفكره وثقافته إلى سراديب الغيبيات، مما جعل الفوارق الفكرية تظهر بين العربي وأخيه العربي، فهذا من المذهب الفلاني وهذا عدو له، وهذا لا دين له، لتتعاظم أعداد ومسميات الفرق المذهبية والدينية، ويستمر الشقاق وينشأ الصراع بكل أنواعه حتى على أصغر الأمور، وفي الشأن النفسي والشخصي، حتى أصبح في بعض البيوت أيدولوجيات عدة متناقضة، ومعتقدات تخطط لإفشال الأخرى، وتكفر بعضها وتتحارب، مما عطل قدرات هذه الشعوب، وشغلها بالتنافس المرضي المقصي، وزاد من عنصرياتها وعطل قدراتها وجعلها تتجه للغريب المحتل لأوطانها وثرواتها باحثة عن الحلول.

المحتل لم يعد يحتاج أن يظل جاثما على الأرض بقواته، ولا أن يواجه الشعوب العربية وجها لوجه، ولكنه تمكن من صنع مقاتلين من ذات الشعوب العربية ينوبون عنه، ويقدمون له أكثر مما كان سيحصل عليه لو كان موجودا بقواته.

المعتقد والمذهب أصبحا قنبلة في يد كل فرد من الشعوب العربية، يغتالون بهما أقرب إخوتهم، ويرهبون الآمنين، ويفجرون ويسلحون الميليشيات ويصنعون الفرق الإرهابية، والمغيبون من العرب يعتقدون أنهم يعملون لصالح الإله، وأنهم حتما سينتصرون ويطهرون وجه الأرض من قذارات إخوتهم وأبناء عمومتهم!

والمحتل سعيد بما يحدث، يزداد خبثا، ويدعي، ويدفع القليل لينال الأكثر.

الشعوب العربية تتأرجح بين من يفهم منهم أصول اللعبة، وبين من أصبح بيدقا في اللعبة يحركه الأعداء، وهم يقدمون الخرافات والشعوذة على العلم، ويهجرون الصناعة والزراعة والتجارة بأعين مغلقة، وقلوب لا تشعر بالحقيقة الضائعة.

فهل سيحضر اليقين لدولنا العربية ويصحو شبابنا مما يحيق بهم، وتعرف شعوبنا حقيقة أعدائها الراغبين في تغييبها لعصور قادمة؟ أم إن الوعي العربي سيظل في إجازته الطويلة، مستسلما لثنائية المحتل والمعتقد، حتى تكتب الحكايات العربية الحزينة بحبر القبور والسواد.

@Shaheralnahari