يبدو والله أعلم أننا اكتشفنا الأرض حديثا ولم نكن نعرفها من قبل، هذه الأيام كان حديث الناس الذي لا ينقطع عن الأرض وما يتعلق بها من قريب أو بعيد، يتحدثون عن القوانين التي بموجبها يمكن أن يحصل المواطن على قطعة أرض يبني عليها بيت العمر كما يقولون، ويتحدثون عن المساحة المعقولة التي يمكن أن تكون صالحة للعيش الكريم والمنزل المحترم، كان في القديم تسعمئة متر مربع، هي نصيب العامة والحد الأدنى لأهل الكفاف ومنح الفقراء ومستوري الحال، ثم صارت مع مرور الوقت أربعمئة متر مربع لا تزيد على ذلك، وهي قسمة معقولة، فالناس يزيدون والأرض تقضم من أطرافها، وعلى تلك جرى خلاف واحتجاج وشكوى ولم يلبث الأمر إلا قليلا حتى أصبح مئة وخمسون مترا مربعا يمكن أن يكون بيت العمر للكثيرين الذين لا يجدون إلا القبول المشكور فيما تيسر مهما كانت مساحته وهذا من مبادئ القناعة التي تكررها ثقافتنا المعهودة، فالقناعة كنز لا يفنى، وحتى القليل نفي أو ألغي ولم يتيسر الحصول عليه.
لكن ليس هذا المهم، المهم أن شأن الأرض أصبح قضية سياسية وقانونية عويصة ومعقدة لم تستطع الهيئة التشريعية (مجلس الشورى) أن يتفق على حلها وحسبك من قضية لا يجد مئة وخمسون عضوا يمثلون أطياف الوطن في مجلس الشورى حلا لها رغم ما تناولته لجانه المتخصصة وغير المتخصصة ومحاورات أعضائها الذين يفترض فيهم الخبرة والقدرة، يعجز مجلس الشورى أن يقول رأيا حتى وإن كان غير ملزم.
ويعجز أكثر أن يوفق بين رأيين في الأرض على أيهما تفرض الرسوم عليها، أعلى الأرض الخام أو الأرض المخططة ومع ما بينهما من التقارب والشبه إلا أن القوم لم يستطيعوا أن يتخذوا رأيا أو بالأصح لم يجرؤ القوم على المس بمصالح كبار الملاك وهوامير العقار وتجار التراب حتى ولو كان في ذلك حيف على الفقراء وأصحاب الحاجة لأن ثقافتنا مرة أخرى تقول أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، وأي عثرة أكبر من أن يقرر مجلس الشورى ما فيه ضرر على الأثرياء والوجهاء وذوي الهيئات وما ينقص من ثرائهم أو يغضب خواطرهم، فإذا كان هذا حال الذين يفترض فيهم مراعاة مصالح الناس كافة، والنظر في قضاء حاجاتهم وتسهيل الصعوبات عليهم فكيف يطلب من غيرهم حل ما عجزوا عنه.
كنت مع المصدقين أننا لا نستطيع توفير المساكن للناس وأن مساحة الجزيرة العربية التي تحتل المملكة ثلاثة أرباعها لم تعد كافية لنا جميعا ليجد فيها المواطن بيتا حتى ولو في مساحة مئة وخمسين مترا مربعا.
لكن ما تناقلته الأخبار ومنها ما نشرته صحيفة مكة بتاريخ 11 صفر الحالي أن ما استطاعت الجهات الرسمية استعادته من أيدي المعتدين حتى اليوم يعادل مساحته أكثر من مساحة ثلاث دول من دول العالم، وأن هذه المساحة الكبيرة قد نهبت في ليلة وضحاها، ولا شك أن هناك سلسلة طويلة مر بها هذا النهب من الأشخاص على اختلاف مواقعهم واختلاف مصالحهم حتى ساغ للناهب الأخير وضع يده وادعاء ما ليس له.
هذا الخبر وحده يكفي حتى نعلم لماذا تعسرت علينا الحلول ووصلت أزمة السكن إلى هذا الحد الخطير من التعقيد.
الحيازات الكبرى والتعديات والضغط من ذوي الهيئات وإقالة عثراتهم هي السبب، ولكن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، كما في الأثر، وقد أدرك ولاة الأمر ما صار إليه الحال فكان القرار السريع الذي بموجبه وافق مجلس الوزراء الموقر على فرض الرسوم على الأرض الموات، وهي محاولة جادة لتخفيف سطوة تجارة الأرض واحتكارها وحل الأزمة، التي كادت تعجز عنها كل المحاولات والحلول، وفق الله الجميع لقول الحق وعمل الخير.
ما يزع الله بالسلطان
مرزوق تنباك3 دقائق للقراءة

حجم الخط
