X
رابعة منصور

أنبياء السوشال ميديا!

السبت - 02 نوفمبر 2019

Sat - 02 Nov 2019

غالبا ما يردد بعض العرب، خاصة أولئك المغرمون بجلد الذات عبارة «لا كرامة لنبي في قومه»، علما أن هذه العبارة إنجيلية تحمل مغزى سلبيا، وتعني أن الأشخاص غالبا لا يلقون الاحترام والتقدير في أرضهم وأقوامهم، والمراقب لمخرجات عصر السوشال ميديا سيدرك أن الموازيين قُلبت بامتياز، فخلقت هذه المرة من النكرات «أنبياء» وفي غير أقوامهم أيضا!

دارت بيني وبين شخصيات معينة في بلد إقامتي حوارات عن أسماء سعودية برزت كشخوص مدافعة عن حقوق المرأة تحديدا، لدرجة أن بعض تلك الأسماء تم تكريمها من جهات دولية. أطراف الحوار فوجئوا أو بعبارة أدق لم يجدوا الإجابات حين سألتهم لماذا يهتمون لشخوص لم يعرفوهم يوما، في حين أن مناضلي أوطانهم لا يحظون بعشر تقديرهم للمناضل «الغريب»؟! وماذا يعرفون عن الإنجازات التي أنجزتها تلك الأسماء ليطلق عليها اللقب المطاطي المفتقر لأي تعريف «ناشطات»؟ والإجابة الموحدة كانت السوشال ميديا هي المصدر! الحقيقة الغريبة أن لا أحد منهم اطلع على شواهد تثبت بروباغندا الإنجازات، فنزر يسير منهم شاهد مقطع فيديو واحدا، والأغلب مرجعه أخبار كرست قناعته ببطولة اسم ما؟! لكن لا أحد منهم توقف ولو للحظة ليسأل نفسه كيف ولماذا صدق، إلا حين سألتهم، على الرغم من أنهم أساتذة جامعات فما بالك بالعامة!

وهنا تكمن أسئلة تستوقف الحصيف فقط، أسئلة مثل: لماذا تشتهر أسماء بعينها دون سواها ويصل صدى تلك الأسماء للقاصي والداني رغم أن سجل إنجازها لا يشفع لها؟! بل إنه لا شيء مقارنة بمنجزين فعليين لم يُعرف عنهم حتى اللمم؟! كيف يحدث ذلك؟ ومن يُحدثه؟ ولماذا؟

لكل زمان دولة ورجال، والسوشال ميديا هي رجل اليوم إن صح التعبير، وبحسب المراقبين والمحللين فإن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم هي منصات فعلية لنشر الأخبار والشائعات معا، واستخدامها لنشر الشائعات مرجعه الرئيس انتشار تلك الوسائل الكبير وتوفرها للشعوب، مما يسهل عملية وصول الأخبار المزيفة إليهم وتأثيرها البالغ في نفوسهم.

شلالات الشائعات والعواطف

درس باحثو معهد ماساتشوستس الأمريكي للتكنولوجيا ما أسموه بـ «شلالات الشائعات» على منصة تويتر، ووجدوا أنها سلسلة متتالية تبدأ بإثارة أحد مستخدمي المنصة موضوعا ما بالكلمات أو الصور أو الروابط، يستمر بعدها هدير ذلك الشلال ليصل لكل القارات والشركات والمؤسسات. وبتحليل مجاميع الأخبار التي اتفقت على دراستها ست منظمات بهدف التحقق من صحتها وكيفية تلقيها من قبل الناس، وجدت الدراسة أن الأخبار الكاذبة انتشرت بصورة أسرع وأعمق وأوسع نطاقا من الحقيقة في جميع فئات المعلومات موضع الدراسة.

ووجدت الدراسة أن المحتوى العاطفي المرتبط بثماني عواطف أساسية، هي: الغضب، الخوف، الترقب، الثقة، الحزن، الفرح، الاشمئزاز؛ كانت المحرك الرئيس في انتشار الأخبار المزيفة وتضخيمها، وبالتالي خلق ضحايا أو أبطال وهميين، وقد يكون من المناسب هنا ذكر مأساة Justine Sacco التي حولتها تغريدة ساخرة إلى ضحية أفقدتها عملها وعلاقتها بأسرتها.

إذن العاطفة مرة أخرى هي المحرك القديم الجديد وإن اختلف الفاعل والكيفية. هذا الأثر العاطفي الملموس على الناس جعل شركات منصات التواصل الاجتماعي تستثمره أكثر عن طريق توظيف خوارزميات محددة تستغل هذه النقطة لتدوير المحتوى العاطفي وإبرازه، بهدف ضمان تفاعل أكبر بين المستخدمين حول العالم، وبالتالي تحقيق أرباح مليارية.

السوشال ميديا والسياسة

أما عن استثمار سلاح السوشال ميديا سياسيا، فهنا تكمن حقيقة متشعبة المحاور، ومتعددة بتعدد الدول وأهدافها السياسية وثقلها الاقتصادي والدولي، وقربها في الفضاء الالكتروني أيضا، تلك الحقيقة تعترف بسطوتها مراكز أبحاث وجهات سياسية عليا في معقلها الأم أمريكا، ألا وهي حقيقة تأثير السوشال ميديا على مسرح واقعنا المعاصر، بدءا بالشعوب ووصولا للمستويات السياسية العليا.

ولعل الجميع يذكر اتهام قيادات في الحزب الديمقراطي للحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترمب بالاستعانة بقراصنة روس لتضليل الرأي العام الأمريكي عبر منصات فيس بوك وتويتر وغيرها، مما جعل شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي على أعتاب أزمة جديدة مع اقتراب انتخابات 2020، حيث تزايدت الضغوط على تلك الشركات خوفا من تأثيرها على الرأي العام باستخدام معول الشائعات المضللة للناخبين، لدرجة أن عدد من التقارير الأمريكية أشارت لخضوع شركات فيس بوك وقوقل وأمازون وأبل للتدقيق من قبل الكونجرس، بل إن خطورة الأمر دفعت برئيس شركة وادي السليكون مارك بينوف إلى طرح فكرة السيطرة على محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوة لتفكيك احتكار موقع فيس بوك، وسن تشريعات تجعل الشركة مساءلة أمام الشعب الأمريكي، وذلك في تصريحات له على شبكة «سي إن إن».

وحتما عند سرد حقائق استخدام سلطة السوشال ميديا سياسيا، لا بد من ذكر المنظمات التي تستثمر أيضا منصات التواصل الاجتماعي في استغلال سياقات إنسانية عاطفية للشعوب لتمرير أهدافها.

يصف الأستاذ المشارك يقسم الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية كنساس Michael Lee Wesch أن آلية عمل الإعلام الجديد أدت إلى انهيار السياقات، حيث خرجت المعلومات من دائرتها المحلية المحملة بكل التفاصيل، إلى دائرة أوسع من البشر، يقرأ كل فرد فيها ما يصله بحسب هواه وتجاربه وخبرته، فيخلق كل متلق سياقه الخاص الذي يتسق وأهدافه وربما عقده، وعلى ضفة أخرى، منحت منصات السوشال ميديا بعض مستخدميها شعورا واهما بالإنجاز في الفضاء الالكتروني تحول فيما بعد إلى يقين، رغم أن أولئك الشخوص لا يملكون أي إنجاز فعلي ملموس على الأرض.

على سبيل الازدواجية

وما لا يدركه كثيرون أن منظمات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وإن كانت منظمات دولية لكن محور نزاهتها يقبع تحت وطأة أعضائها من الدول المنتسبة إليها، فالدول الأعضاء هي من تمول وتدير خيوط اللعبة بين ردهات هذه المنظمة، وفيها تتشكل لوبيات كل دولة بحسب أجندتها الحزبية والسياسية الخاصة، وغالبا ما تكون الحقوق والحريات مجرد شماعة لا أكثر تستخدم في حشد الرأي العام ضد أو مع دولة ما لتحقيق أهداف سياسية بحتة، لذلك سيجد كل متقص ازدواجية فاضحة في التعامل مع ملف حقوق الإنسان من دولة لدولة.

والحال نفسها حتى مع المنظمات الدولية غير المنتمية للأمم المتحدة، فبحث يسير عنها كفيل بكشف حقيقة أن تلك المنظمات تتبنى أجنداتها الخاصة، وترتدي كالعادة الأقنعة التي تستهدف مشاعر وعاطفة الجماهير، وتستقطب تلك المنظمات من خلال أنشطتها من يرفعون ألوية الإصلاح والتغيير في دولهم، ومن بين أولئك المنتمين للمنظمات الحقوقية من يهدف فقط لجمع المال وكسب شهرة دولية في النضال، كما يوجد من يحمل نزعات انتقامية ما ضد دولته، وقد يعزو بعض «النشطاء» سلوكهم العدائي ضد دولهم لمعاناتهم، وبالتالي يقعون بإدراك منهم أو بدونه في شرك تلك المنظمات، لكن الضحية تكون شعوب دولهم الأم.

يذكر هنا أن مدير برنامج إحدى منظمات حقوق الإنسان المعروفة طالب من يسمون «نشطاء» بتقصي الحقائق والأدلة والتفاصيل بدقة، وذلك بعد أن سلطت وسائل إعلام عربية وعالمية الضوء على الأهداف الحقيقية لتلك المنظمات وازدواجية معاييرها.

وعلى سبيل الازدواجية، لم يسمع صوت للمنظمات الحقوقية في شأن نساء دول المنطقة اللاتي يعانين ظروفا قاهرة تنتهك كل تفاصيل حقوقهن وكرامتهن! ولم تهتز إنسانية تلك المنظمات لأرواح العلماء والصحفيين الذين قتلوا في ظروف غامضة حتى في أوطان «الحريات»! واهتزت فقط حين قتلت عارضة، وحين تركت سعودية عائلتها لأسباب شخصية بحتة اتضحت حقيقتها للعالم أجمع لاحقا!

يقول دكتور العلوم السياسية الأمريكي David Lazer في محور «علم الأخبار المزيفة»: إن زخم ضخ الأخبار المزيفة ومدى سلطتها الملموسة على الناس يسلطان الضوء على تآكل الدروع المؤسسية أمام المعلومات المضللة في عصر الانترنت، والقلق حول جوهرية المشكلة مرتبط أيضا بضعف إدراك الأفراد والمؤسسات والمجتمع أمام التلاعب من قبل جهات خبيثة النوايا ضد مصالح الدولة، لذلك هناك حاجة ماسة لبحوث اجتماعية متسقة وعلوم الكمبيوتر لتدرس حيثيات التأثر بالأخبار المزيفة والآليات التي تنتشر بها، لإرساء نظم وقائية جديدة تحسن التعامل معها.

وعودا على بدء، أختتم مقالي بسؤال لبلدية العاصمة الفرنسية باريس التي منحت «مناضلة سعودية» المواطنة الفخرية تقديرا لشجاعتها وجهودها في «رفع الوعي لدى المواطن السعودي»! سؤالي هو: هل لكِ يا بلدية باريس أن تخبرينا عن معيارك المستخدم في قياس الوعي السعودي قبل وبعد نضالات «البطلة»؟! بل هل لكِ أصلا يا بلدية باريس أن تخبرينا عن تلك النضالات التي لم نعرفها نحن شعب السعودية وسمعنها بها فقط منكم؟! إلا إذا كان النضال المقصود هو مقطع فيديو! فهنا يحق لي أن أعلمكم معنى النضال، وأطالبكم بحق المناضلين الذين أغفلتموهم، وأدلكم على أسمائهم إن كنتم فعلا دعاة حق وحرية!

Rabeahmansoor@