كم هي مؤلمة تلك العناوين التي تنشرها الصحف المحلية أثناء وبعد هطول الأمطار، وهاكم أمثلة منها:
لجنة حصر الأضرار والإيواء للمتضررين نتيجة الأمطار التي هطلت على المنطقة؛ الدفاع المدني بالمنطقة: تم إيواء 12 أسرة، كما تم إكمال إجراء 69 طلب إيواء قدمت اليوم للدفاع المدني، عدد البلاغات التي تلقتها مراكز التحكم والتوجيه بلغت 6322 بلاغا أثناء وبعد هطول الأمطار تعاملت فرق الإنقاذ مع 588 بلاغا منها، لجنة رباعية ترصد أضرار الأمطار والسيول، أما العنوان الكارثي الذي أجزم بأنه سيدهش القراء ويدخلهم في دائرة التعجب والذهول فهو التالي: البلديات: 94 مليار ريال لإنهاء أزمة تصريف الأمطار والسيول، وأنه بناء على مخرجات الدراسة والتي صنفت 29 مدينة على درجة عالية من الخطورة.
عناوين تؤكد أن هناك خللا كبيرا وفسادا هائلا جعل من البنية التحتية لمدننا ومحافظاتنا أضحوكة، ينظر إليها القارئ شذرا، وربما اطلع عليها قراء من خارج الحدود فتبين لهم أن الوضع مأساوي ولا يمكن تبريره بحال؛ فإنفاق المليارات لا يمكن أن ينتج عنه هذا السوء الذي يعاني منه أبناء هذه البلاد، والصور تؤكد أن المليارات لو تم صرفها في موضعها الصحيح لاختلف الوضع كليا.
وحتى تتم عملية اكتمال المشهد فلا غرابة إذن أن يعلم العالم أن لدينا مركز إدارة الأزمات والكوارث، لمجرد هطول أمطار لسويعات!
ولا جديد، ففي كل كارثة أو فاجعة لا بد أن يتدخل القائد الوالد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان رغم أعبائه ومسؤولياته، وكأن المسؤول عدم الحل، فيدخل المليك ويطلب تقريرا مفصلا وعاجلا رغبة منه لإيجاد الحل.
وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لبعض المسؤولين قبل خمسة أعوام وهم يعدون المواطنين والمواطنات بعدم تكرار تلك المأساة، واليوم يعاينون بأنفسهم الأضرار ليتساءل الناس: أين ذهبت تلك الوعود؟ وهل من محاسب ومعاقب لأولئك المسؤولين الذين يطلقون الوعود لمجرد التهدئة دون إنجاز؟
وتساؤل عن الدور الذي يفترض أن تضطلع به نزاهة حول تلك المبالغ الفلكية التي أعلنت، ويجزم الجميع بأنها لم تنفق في مسارها، فبلدان لا تملك نصف ذلك المبلغ كميزانية للدولة؛ فميزانية بلاد مجاورة للعام الجاري تبلغ 11.4 مليار دولار، وتهطل الأمطار عندهم بشكل متواصل بل ربما يمكث مواطنوها أسبوعا لا يرون الشمس ومع ذلك يسير الراجل والراكب في شوارعهم بلا مستنقعات ولا برك مائية!
بينما تهطل الأمطار لدينا بشكل متقطع ولساعات محدودة فنرى العجب العجاب: أنفاق تمتلئ بالمياه، وشوارع تغرق، وجسور تنهار، ولافتات تسقط، وسيارات تتضرر، وسيول تدخل الأحياء فتحيلها إلى مادة إعلامية محزنة تصلح لأن تكون فصلا في مسلسل تراجيدي.
ويتحمل العبء الأكبر رجال الدفاع المدني، بينما الجهات التي كانت سببا في امتلاء الأنفاق ووجود المستنقعات وانهيار الجسور وغرق الحارات والسيارات لا لوم كبيرا يقع عليها، وتبقى في كل مرة تسحب تلك المياه بشكل موقت ليعود المكان نفسه لحاله بمجرد هطول الأمطار مرة أخرى!
لقد مل المجتمع من العزف على وتر مشاريع تصريف مياه السيول والأمطار حتى بات البعض يعتقد أنها مجرد فقاعات إعلامية لا حقيقة لوجودها، وقد وقع هذا الأسبوع حالات غرق عدة نتج عنها وفيات بالجملة وكانت إحداها نتيجة حفرة يزعم أنها لمشروع تصريف سيول غرقت فيها بنت وخالتها.
كم يحز في النفس ما يتكرر من مشاهد يندى لها الجبين، فالدراسة تتعطل خوفا من الأمطار، ومدن تعيش تحت وطأة الخوف الشديد، ينتج عنها شوارع شبه خالية، وأخيرا أعمدة إنارة تميل بشكل عجيب!
والمؤلم أنه لا تتم معالجة فعلية لتلك المواقع وكأننا ندور في دائرة مفرغة كلما انتهى آخرها بدأ أولها، في غياب للدور الرقابي.
وتبقى نزاهة تراقب الموقف دون تحرك ملموس، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه الدوائر، وعليه أن يتحمل المعاناة ويقاسي إلى أمد نرجو أن يحول دون إطالته تدخل ولي أمر هذه البلاد.
وبالجملة فإن الاستبشار بالأمطار تحول إلى تخوف من الأضرار، وبات المجتمع يحمل هاجس الأمطار ويسأل الله أن يربط على قلبه وينجيه من أهوال قادمة، تسبب فيها مسؤولون لا يحملون أمانة المسؤولية.
وكم أعجبتني عبارة «الاحتجاج بسوء الأحوال الجوية ليس بصحيح بل الواقع يقول بسبب سوء البنية التحتية».
الأمطار.. هل تتحول لكوارث وأضرار؟
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
