زيد الفضيل

العربية تزدهي برئيسها التونسي

السبت - 19 أكتوبر 2019

Sat - 19 Oct 2019

كان أكثر ما شدني في انتخابات الرئاسة التونسية هو فوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد بنسبة 71% من الأصوات، وهو الذي عُرف عنه محليا، ووضح لنا إعلاميا، مدى تمسكه الرائع بالتحدث باللغة العربية وفق قواعدها النحوية بشكل دقيق، حتى باتت سليقته التي يعبر بها عن أفكاره ومشاعره، وكانت وسيلته في التعبير عن رؤيته السياسية للدولة التونسية في حال فوزه بأعلى منصب فيها وهو الرئاسة، وأتصور جازما أنه لم يستخدم أي لفظ للدلالة عما يريد بلغة أجنبية.

على أن اللافت أكثر هو عمق تقبل الشعب التونسي (بشبابه وشيبه) لشخصية مرشحهم الجديد التي تتسم بالرزانة في خطابها، وجزالة ألفاظها، ومتانة نسقها، ولعمري فإن ذلك يعكس أمرين يصعب إغفالهما، ثانيهما: كامن في أن اهتمام الشارع التونسي قد تركز حول مضامين الخطاب السياسي المقدم لهم، بغض النظر عن هوية وشكل الوعاء اللغوي الذي قدم به، أما أولهما: فيدل على انجذاب الشارع الانتخابي لطبيعة الجرس الموسيقي للغة العربية التي اتخذها مرشحهم قيس سعيّد مركبا له لوصوله لكرسي الرئاسة، وحتما فقد كان ذلك من عوامل نجاحه، علاوة على مضامين خطابه السياسي، ومصداقيته لدى الشارع التونسي إجمالا.

الجميل في الأمر أن هذه النتيجة قد مثلت ـ من وجهة نظري ـ انتصارا للغة العربية التي تعاني التهميش والغربة منذ بدايات القرن الـ 20م حتى اليوم، ومع ذلك لا تزال صامدة أمام كل التحديات الناتجة عن ضعف أبنائها أولا وأخيرا، الذين تصوروا أن تطورهم لن يكون إلا بموات لغتهم، واستبدالها باللغة الإنجليزية على وجه الخصوص، وما دروا أن اللغة هوية قبل أن تكون وسيلة للتعبير، وأن أخطر ما يتم استلاب الشعوب به هو استلاب لغتهم، فتضيع هويتهم، وتتوه كينونتهم، وهو حال كثير من شعوب بلدان عالمنا العربي اليوم مع الأسف.

لقد جاءت هذه النتيجة لتكون التصويت الأعلى والأقوى على جمال وحميمية اللغة العربية، التي تمكنت من اختزال كثير مما أراده الرئيس قيس سعيّد بدقة وشمولية، والأهم أن مستمعيه من الناخبين التونسيين لم يستنكفوا نطقه، واعتزازه بلغته، وهم المنتمون للثقافة الفرانكفونية، المنخرطون في آدابها ونسقها المعرفي.

حقا «الأرض بتتكلم عربي» كما صدح بها الموسيقار سيد مكاوي من كلمات الشاعر فؤاد حداد، وما انتخاب قيس سعيّد رئيسا لتونس إلا انتخاب للغة العربية التي يعمل البعض بدون وعي على مواتها، وأملي أن يكون ذلك دافعا لأن نعزز جميعا انتماءنا للغتنا بشكل أفضل، وحتما سيكون ذلك سببا لنهضتنا، ودافعا لبلوغنا قمما عالية نرجوها.

في هذا السياق أشير إلى أن كل الدول المتقدمة قد استهدفت تكثيف نقل المعرفة بلغتها الأم، ولهذا أبدعت، وخطت بثبات نحو النهضة التي تريد، وهو ما قام به العرب قديما حال نهضتهم، حين عمدوا إلى نقل المعرفة أولا إلى لغتهم الأم، ومن ثم أبدعوا في تطوير ملكاتها بالشكل الذي وصلت إليه.

أخيرا، متى يدرك بعض المتشدقين بلغة غير لغتهم ـ حتى في إطار حديثهم اليومي ـ أن قيمتهم في مقدار محافظتهم على كيان هويتهم، وأنهم قد حظوا بلغة هي الأجمل في جرسها الموسيقي، وثراء ألفاظها، وعمق معانيها، ولهذا كان اختيار الله لها لأن تكون لغة كتابه الخاتم، المحفوظ بإرادته وعهده التام، وصدق الله القائل في محكم كتابه «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

@zash113

أضف تعليقاً

Add Comment