التعاقد في العمل والمتعاقدين أمر كسرت فيه الأقلام والأحلام منذ أن فتح الله علينا من فضله وصرنا إلى الرخاء واحتاج الناس للعمل عندنا واحتجنا نحن لخدماتهم، وكان التعاقد هو الصلة بيننا وبينهم في كل ما مضى من السنين الطوال وهو موجه للآخر غير المواطن، أما المواطن فهو الموظف المدلل الذي يختار الوظيفة والمكان والزمان الذي يريد العمل فيه، وحين يصدر قرار تعيينه يصبح عمله ضربة لازب فلا يفتك ولا ينفك إلا بإحدى ثنتين؛ بلوغه ستين عاما أو الموت الزؤام.

لكن دوام الحال من المحال وسبحان مغير الأحوال. فقد أصبح التعاقد هو ما يبحث عنه المواطن من الداخل والخارج، ويحرص على أن يكون متعاقدا في وطنه لا موظفا كما كان حاله في سالف الأيام. ولأن الحاجة أم الاختراع فقد اخترعت الشركات ذات العلاقات والامتيازات للتعاقد، وهذا لا غبار عليه ما دام يخدم المصلحة العامة، وحتى المصلحة الخاصة نأخذها بالاعتبار، لكن الغبار الكثيف الذي يغطي مساحة واسعة من فهم الناس، وأنا منهم، هو نموذج خاص من نماذج التعاقد الجديد وأنواعه التي يحتاج الناس فهم سببه ومضمونه والغرض منه والدافع إليه.

ولكن قبل ذلك نعرف أو يعرف أهل العلم أن شرط التعاقد وصحته أن يتم مع إنسان يقدم خدمة للجهة المتعاقدة معه، ويفترض أنه فارغ من العمل ومفرغ لما تعاقد له، هذا هو ما عليه الناس عندما يبحثون عن عمل ويكلفون بأدائه. هذه واحدة، أما الثانية فإنه يفترض فيمن يصح العقد معه ألا يكون معقودا عليه لجهة عمل غير الجهة التي تطلبه للتعاقد، أما الثالثة فهي أن التعاقد الجديد الذي أوجب هذه الكلمة هو نوع خاص يصلح أن نسميه (السبرمان) هذا النوع مختلف عن كل أنواع التعاقد المعروف، إذ يتم مع شخص قضى شطرا من خدماته موظفا ويتعاقد معه وهو على رأس العمل، وضمن من تنطبق عليهم لائحة الخدمة المدنية أو على ملاك قطاع خاص ولكن بقدرة قادر أوجدت الحاجة التعاقد معه وهو على هذه الصفة، لكن بمبلغ يتجاوز راتبه بأضعاف مضاعفة حسبما يقتضيه شرط التعاقد.

الغريب في هذا

وليس هناك غريب في الحياة، أن هذا المتعاقد كان يعمل في إدارة أخرى أو وزارة أكثر من نصف عمره ثم يكتشف المسؤول الأول في وزارة موازية أو حتى في الوزارة نفسها التي كان يعمل فيها عبقرية كامنة في قدراته تجعله يتعاقد معه براتب حده الأدنى 75000 ريال إلى 125000 ريال غير الميزات الأخرى، بينما أعلى راتب في سلم الخدمة المدنية الذي كان عليه لا يتجاوز 20000 على فرض أنه كان في أعلى السلم الوظيفي في خدماته السابقة.

الراتب لا يهم فهو من المال العام ويذهب لجيب مواطن يستحق، لكن المهم أن هذا الموظف لا بد أن يفعل شيئا يناسب الراتب والوظيفة، وأول ما يستطيع فعله توقيف عجلة العمل وإلغاء صلاحيات زملائه الذين أصبحوا تحت إدارته حتى يأخذ وقتا للتفكير وينظر ويعيد النظر فيما يحدثه مما يناسب الراتب والمرتبة، وما يحتاج من التغيير والتبديل، ولأن كل قدراته الإدارية قد استنفدها قبل هذا التعاقد فقد يحدث أن يبحث عن شركة علاقات عامة أو شركة متخصصة تقدم أفكارا وحلولا لما يحتاجه العمل من التغيير الممكن، وهنا يكون سير العمل والإنجاز أول المتضررين.

هذا حال، والحال الآخر زملاء العمل الذين يعرفونه جيدا ويعرفون قدراته الإدارية وقد أصبح الفارق بينه وبينهم كبيرا في الراتب والمسؤولية، ماذا سيكون رد فعلهم وكيف يكون التعاون بينهم وما الغبن الذي سيحدثه التمييز أو المحاباة إن شئت؟ ثم هذا الراتب الضخم وميزاته المادية كم موظف يمكن أن يعين بالراتب المخصص لهذا الفرد في حد الراتب الأدنى، وكم موظف يمكن أن يعين في هذا الراتب في حده الأعلى، ونحن نرى طوابير الانتظار للوظيفة في كل مستوياتها ممن يحملون مؤهلات عالية وتخصصات يستفاد منها وعقولا شابة قد تبدع وتنفع.

يبقى السؤال الأهم: هل التعاقد بهذا الراتب وبهذه الطريقة سيهبه ملكات وقدرات تجعله يبدع ويخترع غير ما أبدع واخترع من قبل؟ وهل للصداقات والمحسوبيات مدخل باختيار هؤلاء الموظفين؟ مجرد سؤال.

Mtenback@