ظهور وسائل الإعلام الرقمي أوجد بيئة إعلامية جديدة عرفت تحولا كبيرا، إذ غير من النظريات الاتصالية المعروفة، وأوقف احتكار صناعة الرسالة الإعلامية ونقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية. ومنه دخل الإعلام التقليدي في مرحلة جديدة أخرجت المتلقي من الحتمية إلى الاختيار بلا حدود، ومن الأحادية في الطرح والتلقي إلى المشاركة في صنع الأحداث وتداعياتها. ومع تسارع الأحداث وتغطياتها الإعلامية في بلدنا من المحيط إلى الخليج، احتدم الجدل حول ما إذا بات «الإعلام الاجتماعي» يشكل تهديدا أو بديلا للإعلام التقليدي، وما مدى إمكانية الركون إليه؟
آراء خبراء الاتصال اختلفت فمنهم من يرى أن الإعلام الجديد لا يمكن أن يكون بديلا «للإعلام الكلاسيكي» لأنه ببساطة لا يخضع لأي معايير أو أسس تجعله مصدرا موثوقا للأخبار، إنما هو حالة من الفوضى الشديدة التي خلفها الكم الهائل من الأخبار المغلوطة والصور والفيديوهات المفبركة والمعلومات المضللة التي تنتشر انتشار النار في الهشيم عبر مستخدميه. فيما الجانب الآخر يرى أن ظهور شبكات التواصل الاجتماعي وفر فتحا ثوريا، نقل الإعلام إلى آفاق غير مسبوقة، وأعطى مستخدميه فرصا كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلى أن أصبح إعلاما يمكن الوثوق به تحت ما يسمى بـ «صحافة المواطن».
أعتقد أن الإعلام الجديد لا يمكن أن يكون بديلا للإعلام الكلاسيكي إنما هو أدوات مكملة له، وهنا يأتي دور «الإعلام التقليدي» ليتعامل معه بفن وحرفية بما يخدم أهدافه ويساعده على إنجاز مهماته الصحفية. أصبح الإعلام البديل اليوم واقعا لا مناص من التعامل معه شئنا أم أبينا وإن كانت هذه الأدوات في السابق قوبلت بالرفض كمصدر إخباري وبقيت فقط مجرد قنوات اتصال تعبيرية لأفراد منعزلين إلا أنها اليوم باتت تفرض نفسها.
وقد يكون أكثر الأسباب التي جعلت الإعلام البديل غير موثوق كمصدر للخبر هو كون المستخدمين الذين ينشرون الأخبار عبر هذه الوسائل غير متخصصين في المجال الإعلامي وليست لديهم دراية بأبجديات الكتابة الصحفية، لكن رغم ذلك احتاج إليهم الإعلام التقليدي، بل أصبح منقذا لهم في بعض الحالات، فعلى سبيل المثال «لا الحصر» الحالة السورية كانت تشكل تحديا للصحافة بشكل عام، فالنظام لم يسمح بدخول شبكات التلفزة العالمية ومراسلي الصحف ووكالات الأنباء لتغطية وقائع الانتفاضة الشعبية هناك. وكان أن تم الركون بشكل كلي إلى شهادات مواطنين في قلب الحدث وعلى مقاطع فيديو تم تصويرها من قبل هواة شاركوا في نقل الحدث. صحيح أن بعض شبكات التلفزة والفضائيات والمواقع الالكترونية ضحت بأبسط قواعد المهنة في مقابل الحصول على القصة الإخبارية والسبق الصحفي، إلا أنها في النهاية حلت معضلة وإشكالية التعتيم الإعلامي الذي أراده النظام السوري.
أخيرا نقول إن الإعلام الجديد فضاء مفتوح، وحرية لا تخضع لرقابة ولا سلطة، أخبارها سريعة ومتميزة وآنية، لكن مسألة تصديقها والشك بها بيد القارئ والمشاهد، يكفي أنها حسنت كثيرا من أداء «الإعلام التقليدي» وأجبرته على أن يقدم أخباره في قالب مختصر ومركز بما يتماشى مع ذائقة الأجيال الجديدة التي تستقي كل معارفها وأخبارها تقريبا من خلال ما تبثه منصات الشبكة العنكبوتية.