لا شك أن المقابلة التي أجراها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مؤخرا مع برنامج «60 دقيقة» الأشهر عالميا، والذي تبثه قناة «سي بي إس» الأمريكية قد مثل تحولا نوعيا لمصلحة المملكة في الصراع على كسب تعاطف الرأي العام العالمي، حيث اتسم الخطاب السياسي لسموه في هذه المقابلة بقدر هائل من العقلانية والرشادة السياسية التي تعكس وعي المملكة بالبيئة السياسية والاستراتيجية الإقليمية، وما تنطوي عليه من تحديات كبيرة تستلزم التعامل بحرص ودقة بالغين، كما يعكس أيضا التزام المملكة بمسؤولياتها الدولية ولا سيما حيال تأمين صادرات الطاقة وتفادي أي توترات قد تنجم عنها تصدعات في الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالأساس من أزمات معقدة جراء الحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

نقاط عدة محورية وردت في ردود ولي العهد السعودي، كانت كفيلة بتصدير الهدوء والطمأنينة إلى أسواق المال والمستثمرين والمراقبين في أرجاء العالم كافة، حيث اعتبر أن الحرب مع إيران ستدمر الاقتصاد العالمي وأنه يفضل حلا غير عسكري للتوترات معها، هذه الإجابة إحدى أهم نقاط الارتكاز في هذا اللقاء التاريخي لأنها جاءت عكس ما كان يتوقعه المراقبون، ولا سيما للأحداث والتوترات الحاصلة في منطقة الخليج العربي في الأسابيع الأخيرة.

أن يتحدث ولي العهد السعودي عن «تفضيل» الحل غير العسكري ويمنحه أولوية استراتيجية في التعاطي مع السلوك الإيراني الذي ينتهك مبادئ الأمم المتحدة ويضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي، فإن هذه العقلانية والرشادة السياسية قد أربكتا القيادة الإيرانية التي رهانت لفترة طويلة على حماس القيادة السعودية الشابة في الرد عليها، ومن ثم فإن الاحتكام لهذا النهج كان خارج نظام يراهن على نشر الفوضى وإثارة القلاقل وإشعال الحرائق من أجل تحقيق مصالحه.

لا يمكن لدولة أو قيادة سياسية مسؤولة أن تدفع باتجاه تقويض أسس الأمن والاستقرار العالمي، والكل يدرك أن منطقة الخليج العربي بكل ما تمتلك من أهمية استراتيجية وحساسية فائقة للتوترات لا تقبل مطلقا الانزلاق إلى الفوضى والصراعات العسكرية، فالنتيجة المباشرة يعرفها الجميع أيضا، وهي أن إمدادات النفط ستتعطل وسترتفع الأسعار إلى مستويات قياسية ربما لا تتحملها الاقتصادات الكبرى في الفترة الراهنة، مما يعني أن العالم سيصبح في مواجهة حالة غير مسبوقة من التهديد الكارثي على الاقتصاد العالمي كما وصفه ولي العهد السعودي.

التساؤل المطروح هنا: ما العمل إذن في مواجهة التحدي الإيراني للأمن والاستقرار؟ الجواب يتمثل في ضرورة بناء قضية عالمية تنطلق من مسؤولية المجتمع الدولي في الحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج العربين وتأمين موارد الطاقة في هذه المنطقة الحيوية من العالم، فأمن الطاقة ليس مسؤولية الدول المصدرة بمفردها، بل هو مسؤولية جماعية دولية مشتركة، يجب أن تتحمل أعباءها الدول المصدرة والمستوردة معا، إضافة إلى مسؤولية القوى الكبرى باعتبارها الضامن الأساسي لاستقرار النظام العالمي القائم.

المنطق يقول إن من غير المقبول ترك منطقة تصدر نحو 30% من إمدادات الطاقة العالمية ويمر بها نحو 20% من التجارة العالمية وتنتج نحو 4% من الناتج المحلي العالمي الإجمالي، خاضعة لهوى نظام متهور يمكن أن ينزلق لأي سلوك طائش في أي لحظة، كما حدث في الهجوم على المنشآت النفطية في السعودية مؤخرا! لو تخلينا لحظة واحدة احتمالية هجوم إرهابي واسع على المنشآت النفطية أو إغلاق مضيق هرمز، لنا أن نتخيل بالتبعية عواقب الانهيار الكلي للاقتصاد العالمي، وليس للمملكة الشقيقة أو لاقتصادات دول مجلس التعاون فقط!

هذا الحديث قد أكسب الموقف السعودي قوة سياسية مضاعفة لأنه نسف كل الادعاءات والمزاعم التي يرددها نظام الملالي حول سياسات ونهج القيادة السعودية، وكشف للعالم أجمع حرص المملكة على التصرف بموجب مسؤولياتها المرتبطة بأمن واستقرار العالم، وأنها تحرص على أن تكون دولة مسؤولة تعمل في إطار منظومة عالمية تحت مظلة الأمم المتحدة والقانون الدولي، وهذا التطور كان مطلوبا للغاية لأن الساحة العالمية كانت بحاجة لملء فراغ تتحرك فيه آلة الدعاية الإيرانية حول نوايا واتجاهات وخطط المملكة في الرد على الاعتداءات والانتهاكات التي ترتكبها إيران، وتلك التي تقف وراءها وتدعمها وتمولها في المنطقة بشكل عام.

إن فاعلية السياسة والدبلوماسية السعودية تنبع من قدرتها على التصدي للخطاب العدائي الإيراني وفق إطار هادئ يكرس حكمة القيادة السعودية، ويعكس تمسكها بالأمن والاستقرار وإدراكها لتبعات دورها كإحدى القوى الكبرى في مجال إنتاج الطاقة بما لذلك من مسؤوليات والتزامات دولية.

salemalketbiar@