في القرن الماضي عاش العراقيون فترة من الرقي الثقافي والعلمي، لكنهم اليوم يتلهفون إلى أدنى مقومات الحياة، فمعضلة العراق اليوم معقدة ومتشابكة، وهي نتاج مأساوي لمخرجات سياسية وطائفية ومناطقية وتاريخية، ولكن يظل السبب الجوهري هو إغراق مؤسسات الدولة في مستنقعات الفساد الإداري والمالي، بفضل مخططات الحرس الثوري الإيراني وهيمنته على مفاصل وهياكل الوزرات العراقية منذ سقوط بغداد في 2003 حتى الآن.

هناك غموض في الأحداث الجارية في العراق اليوم، وهذا الغموض سينعكس حتما على آفاق المستقبل العراقي، فهل سيتخلص الشعب العراقي من قبضة الهيمنة الإيرانية؟ وهل سيعود العراق إلى محيطه الطبيعي ضمن المجتمع العربي؟ أم إن طهران ستزيد من قبضتها وهيمنتها على صناعة القرار السيادي في العاصمة العراقية بغداد!

هناك تفسير أنثروبولوجي ينص على أن الحضارة الأصيلة لا تفارق عقول شعوبها حتى وإن اضمحلت عن الوجود، بمعنى أن ثقافة شعوبها وعقولها تظل شواهد إنسانية على حضارات منقرضة، وما نشهده اليوم من رفض شعبي للسلوك الإيراني على أرضه هو ترجمة إنسانية للحضارة العراقية القديمة، الحضارة التي تمنهجت على ثقافة الإرادة والحرية، ولا تقبل أن تكون تحت وصاية فارسية على الإطلاق، هذه الثقافة هي التي تحرك الشباب في احتجاجاتهم ضد الوجود الفارسي في المنطقة.

كما أن أحداث العراق الحالية قد يتم تحليلها في علم الاجتماع كحالة متوقعة في السلوك البشري، فما يجري اليوم في العراق من انتفاضة شعبية ضد قوى الاحتلال والهيمنة الإيرانية هو نتيجة طبيعية لردة فعل متوقعة شعبيا ضد السلوك الإيراني في المنطقة، بمعنى أن منهجية طهران في التهميش القسري لشعب يحمل في أعراقه وجيناته إرثا عروبيا ثقيلا لا بد أن يولد بالضرورة - فيزياء نيوتن - ردات فعل مضادة في الاتجاه.

ولو استأنسنا بعلم الاقتصاد، لا شك أن أرقام البطالة المتفاقمة بشكل مرعب، وخلو الخزينة العراقية من السيولة النقدية، وعجز الحكومة أيضا عن الانتظام في دفع المرتبات والالتزامات تفسر شيئا مهما في تحليل الاحتجاجات العراقية.

وأخيرا، كل هذه التحليلات مقبولة منطقيا، لكن ما نخشاه هو مآلات الثورة، ولنا في الربيع العربي خير برهان، فالثورات عموما لا تأتي بخير إلى شعوبها، وجل ما نخشاه أن يسقط العراق أكثر في الوحل الإيراني، وبهذا يحكم الملالي قبضتهم بقسوة على المستقبل العراقي، وهذا ما لا نأمله كعرب، فما نأمله أن يعود العراق إلى أهله، وأن يتخلص العراقيون من القيود الإيرانية، وأن يبنوا دولتهم الحديثة، دولة تترسخ على قيم التقدم والازدهار، والأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن غموض المستقبل.

@albakry1814