يدور هذه الأيام جدل عريض في دوائر المثقفين العرب، يتناول في مجمله حاضرهم وتخلفهم وما يجدونه في الواقع من فارق حضاري وثقافي كبير بينهم وبين الشعوب والأمم المحيطة بهم، وقد أعياهم البحث عن أسباب معقولة لما هم فيه من حال لا يحسدون عليها، وعجز لا يجدون له سببا ولا مبررا يطمئنون إليه ويبررون به تقصيرهم عن الناس من حولهم، فلم يجدوا غير العودة إلى تاريخهم القديم يبحثون ما حدث فيه من أحداث كبيرة على كل المستويات التاريخية والسياسية والفقهية، لعلهم يجدون في طوايا التاريخ ما يستطيعون به تفسير تقهقرهم المخيف في هذا العصر، وقد وجدوا بعض ما يبحثون عنه فيما اعترى تلك الحقب من الضعف والفتن والحروب الطائفية والتشتت والانكسار، فحملوا على التاريخ أخطاءهم وطالب بعضهم بتجاوز التاريخ والانفصال عنه زاعمين أن السبب هو إرثهم التاريخي، وتلك مطالبة عاجزة.

أولا: لا شك أن في بعض مراحل التاريخ مواقف صعبة وكوارث مدمرة مرت عبر القرون، وأثرت في مجريات التاريخ، ولا خلاف في أن يجد الباحث في الماضي كثيرا من السلبيات وما يجب تركه وتجاوزه والاعتذار منه، ولكن التاريخ لا يعيد نفسه، وليس مسؤولا عن الحاضر كما يزعمون.

ثانيا: هناك فرق بين مراجعة التاريخ والنظر في أحداثه للعبرة والموعظة وحتى التقويم والمراجعة الواعية لما فيه من سلبيات، وبين توظيفه لتبرير عجز الحاضر وتقصيره والعمل به.

ثالثا: التاريخ ماض لا يمكن عودته ولا تكرار ما حدث فيه، سواء كان ذلك مقبولا أو مرفوضا، أما الحاضر فصناعة أهله وهم المسؤولون عنه يحسنون فيه أو يسيئون. والخطأ أن يظن المعاصرون أو بعضهم أن لماضي أسلافهم أثر فاصل في حاضرهم، فيجعلونه السبب في تراجعه ويزعمون أن عثرات تلك الحقب الطويلة إن وجدت هي السبب لما هم فيه.

رابعا: النقد المبالغ فيه للتاريخ والتنصل منه لا يصلحان الحاضر ولا يغيرانه، حتى وإن كان في الماضي ما فيه مما يعاب وينتقد وفيه من فواجع الحياة ومآسيها ما فيه، لكن ذلك كله لا يغير في الحاضر شيئا ولا يصلحه. التاريخ جزء مهم وفاعل في الفكر والثقافة للأمة، ومكون أساسي في بنيتها الذهنية ومؤثر في ثقافتها، ولا يمكن فصله ولا تجاهل ما حدث به عن الوعي العام الذي تتشكل منه هوية الأمة وتعتمد موروثه. وفي التاريخ من المعارف ما لا يمكن تجاوزه ولا يمكن إغفاله ولا سحبه من الذاكرة ووضعه على الرصيف.

خامسا: التاريخ جزء أساسي من الذاكرة العامة، ولا بد من مراجعته وقراءته كما يجب أن تكون القراءة والمراجعة، قراءة مستقلة عن الحاضر مدركة للفارق بين الحالين، فلا يعكس القارئ للتاريخ اليوم حاله الذي هو فيه ومصائبه في زمن الضعف على التاريخ فيجرمه ويتبرأ منه وينزع إلى غيره ويبحث عن مرتكزات أخرى لعلاج ضعفه وتأخره، ومن هذا حالهم فحكمهم انعكاس لحاضرهم وليس وصفا لماضيهم.

وما يحدث مع الأسف عند بعض النقاد المعاصرين للتاريخ هو نقد غير موضوعي وظلم للتاريخ حين يحاولون في كل موقف يمرون به أن يجدوا سببا مقبولا في رأيهم يعزون إليه مشكلاتهم، وذلك عدم العدل في النظر إلى التاريخ وتنكر لما كان لأسلافهم من فضل.

يبقى القول إن واقع حال العرب اليوم استثناء غير مبرر فيما في التاريخ من هفوات، ومحاكمة الحاضر على ما كان في الماضي جور في المحاكمة وخطأ في الاستنتاج وسوء في التقدير، والواقع يجرم المعاصرين بعجزهم هم قبل أن يجرموا تاريخهم.

والعودة إلى سلبيات التاريخ والبحث فيه عن تبرير للحاضر هما نتيجة مباشرة للفشل الذي يعيشه العرب في هذا الوقت.

Mtenback@