تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» تثبت بشكل متواصل إخفاقاتها المتواصلة في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، فمرة تلو أخرى تأتي تقارير «نزاهة» ضعيفة سطحية بعيدة عن ملامسة الواقع وإدراكه، وهذه المشكلة يدركها الجمهور وعامة المواطنين، فما بالك بالمتخصصين ومن لديه حس رقابي وخبرة في أعمال الرقابة، فالجميع يدركون أن «نزاهة» تنازلت طواعية عن أهدافها العليا، وأضاعت جهدها في التنظير والتسطيح لقضايا الفساد التي يتحدث عنها القاصي والداني، وهي تدرك أن ما تقوم به لن يحقق النزاهة التي تتحدث عنها.
بالأمس القريب نشرت الزميلة «الوطن» تقريرا حديثا صادرا عن «نزاهة»، تؤكد فيه أنها تمكنت من تحقيق واحد من أهم أهدافها، وهذا الهدف المهم - وفقا لتقريرها - يتمثل في التعرف على ثقافة المجتمع في كيفية التعامل مع الفساد، وكيفية الإبلاغ عنه، وأنها تعرفت كذلك على رأي مجتمع الدراسة في فاعلية الإجراءات التي تقوم بها الهيئة لمعالجة حالات الفساد المالي والإداري معتمدة في ذلك على توزيع استبيانات على المواطنين والمراجعين والموظفين ورجال الأعمال بهدف قياس وتقييم أداء الهيئة، وأضافت «نزاهة» أنها أخذت بتقييم الهيئات والجهات الحكومية من حيث كفاءتها في مكافحة الفساد، وقياس مدى تطبيق العقوبات بحق الموظف الحكومي الذي أدين في قضية فساد.
هذا الإنجاز العظيم في مسيرة «نزاهة» لا أعلم تحت أي بند يمكن أن يصنف ويدرج، وبعد أن عجزت في تصنيفه، سأنقله من ذمتي لذمتكم صنفوه وأبلغوني، واستعينوا بما تشاؤون من الخبراء والمختصين، لأن الإنجازات التي أعرفها تكون بالأرقام حول نوع وعدد القضايا التي ضبطت، والأموال العامة التي أعيدت لخزينة الدولة، لكن هذا الإنجاز الجديد فاق كل التصورات التي يمكن أن تصل لها مخيلة العقل البشري في محاربة الفساد الذي يضرب أطنابه في البر والبحر. فمن غير المعقول أن تحتاج الهيئة كل هذه المدة كي تتعرف على ثقافة المجتمع في كيفية التعامل مع الفساد، وهي وموظفوها جزء من هذا المجتمع الذي تحاول التعرف على ثقافته.
وفي الجانب الآخر من التقرير أو الدراسة تقول «نزاهة» إنها أخذت بتقييم الهيئات والجهات الحكومية من حيث كفاءتها في مكافحة الفساد، وقياس مدى تطبيق العقوبات بحق الموظف الحكومي الذي أدين في قضية فساد، وهي التي اشتكت في تقريرها السنوي الذي نوقش قبل بضعة أشهر تحت قبة الشورى، من عدم تعاون الجهات الحكومية معها، وتضمن ارتفاع عدد الجهات الحكومية التي لم تبد تعاونا مع الهيئة من تسع جهات في العام الماضي إلى نحو الضعف أي نحو 16 جهة حكومية، وأضافت في ذلك التقرير أن هذه الجهات الحكومية ترفض تمكينها من ممارسة اختصاصاتها، والكشف عن ممارسات الفساد لمعاقبة المتورطين، وأن ذلك يتمثل في عدم توفير المعلومات والوثائق التي تطلبها، وأن ذلك يمنعها من كشف حالات الفساد، وضبطها وتوثيقها قبل حدوث أي تغيير في أدلتها وشواهدها.
من الواضح جدا أن «نزاهة» رغم مضي خمس سنوات على تأسيسها تعاني من فقدان الرؤية والضبابية في كيفية محاربة الفساد والقضاء عليه، وأنها لا تعرف ما إذا كانت الإجراءات التي تقوم بها فعالة لمعالجة الفساد، وأن لديها مشكلة في ترتيب الأولويات، وتركت الأهم في محاربة الفساد، واتجهت لاستطلاعات الرأي والدراسة النظرية التي لا تسمن ولا تغني.
ما أود قوله هنا إن هذه الدراسة دليل إدانة على عدم قدرة «نزاهة» في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وإن وضعها الراهن يبرهن أنها تواجه خللا واضحا في تحديد آليات مكافحة الفساد، واتجهت بدلا من ذلك إلى التنظير والوعظ والندوات التي قتلت السلطة المطلقة التي منحت لها في قرار تأسيسها، لذلك بقي عود الفساد مشتدا ومستندا على ضعفها وتخبطاتها، وإنها بحاجة إلى تدخل سريع من الجهات العليا لتعيدها للمسار الصحيح، وتعيد لنا شيئا من الآمال الكبيرة التي رافقت إنشاءها، وإلا سيبقى وضع الفساد كما هو إن لم يتفاقم ويستشر.