X
رابعة منصور

المرأة وسوق النخاسة بين فاعل ومفعول به!

السبت - 28 سبتمبر 2019

Sat - 28 Sep 2019

كثيرا ما قرأنا وسمعنا انتقادا عن أن النظرة للمرأة عند العرب لم تتعد كونها أداة إنجاب ومتعة للرجل. والحقيقة أن هذه النظرة للمرأة عالمية ولم تكن يوما حكرا على العرب.

فكما كانت النساء تاريخيا يتمايلن على أنغام الموسيقى في المعابد المصرية القديمة لاسترضاء الآلهة واستنزال المطر والخصب للبلاد، كانت النساء أيضا الواسطة بين المتعبدين في معبد الآلهة العراقية عشتار، حيث كان دور «العاهرات المقدسات» ممارسة العلاقة الجسدية مع زوار المعبد الراغبين في التقرب لعشتار، مقابل مبالغ مالية تستخدم في تمويل المعبد. ووجد ذلك المفهوم أيضا في اليونان القديمة والإمبراطورية الرومانية والصين والهند.







ويكشف تاريخ الحروب لدى كل الثقافات رسوخ فكرة كون المرأة أداة متعة للرجل، فكما كانت المرأة سبية الحروب العربية وأداة متعة مقاتلي داعش، استخدمت المرأة الفرنسية أيضا كأداة متعة لجنود الاحتلال النازي لفرنسا بين عامي 1940 و1944. وبذات المبدأ أيضا جندت اليابان آلاف النساء من الدول التي احتلتها كالصين وكوريا والفلبين وبورما في «معسكرات المتعة» لحل مشكلة التوتر الغريزي للجيش الإمبراطوري الياباني.

ويكشف التاريخ أن المرأة ذاتها وبكامل إرادتها كانت ترى في نفسها أداة متعة الرجل! لذا عُرف البغاء كأقدم مهنة نسائية في التاريخ، ففي حقبة ما قبل الإسلام شاع البغاء بين فئات معينة من العرب، وهي ذات المهنة التي اختارتها المرأة الفرنسية ونساء من دول أوروبا المحتلة حين شحت مصادر أموالهن بعد موت أزواجهن في الحرب، وأدت تلك العلاقات إلى ولادة الآلاف من الأطفال الفرنسيين الألمانيين.

واليوم وبعد مئات السنين ونضالات مستمرة للمرأة في سبيل نفي تشييئها، وإثبات أنها كيان عاقل مساو للرجل تماما ولا يقل عنه، هل نجحت المرأة فعلا في محو محوريتها كجسد فقط وجعل ذلك من التاريخ؟

الواقع يحكي أن المرأة كانت سابقا مفعولا به في سوق نخاسة النساء، واليوم هي فاعل مع سبق الإصرار والترصد! والغريب أن المرأة عالميا ما فتئت تحارب على جبهة ما لتثبت أنها كائن كامل الأهلية، وهي أيضا من تنسف على ضفة أخرى جهودها وكأنها مكبلة بأيديولوجية الجسد التي باتت كنحت في عقلها لا تقوى على العيش دونها!

طورت دكتورتا علم النفس الأمريكيتان فريدريكسون وروبرتس (B,Fredrickson, 1997) و(T,Roberts) نظرية التشييء objectification وهي واحد من المفاهيم المحورية التي تعيشها النساء في المجتمعات الحديثة، والتي ترصد المرأة وتقيمها كمظهر فقط، وأدى تكريس هذا المبدأ إلى استيعابه حرفيا من قبل المرأة، مما خلق لديها مفهوم التشييء الذاتي self-objectification الذي يتعارض كليةً مع قوتها واستقلالها.

ويظهر ترسخ هذا المفهوم لدى المرأة جليا في التركيز المفرط على مظهرها والسعي الدائم لأن تكون جذابة في عين الرجل تحديدا، بدلا من التركيز على الفكر والأداء، بل وتعدى الأمر تشييء المرأة لذاتها، لتنظر بعين الناقد لمظهر النساء الأخريات، وهو ما يفسر التنافس الشكلي بين النساء وانتقال عدوى تجميل الجسم ونحته بمواصفات جذب جنسية بحتة وصلت في كل دول العالم لأعداد فلكية، وتوسعت الإجراءات التجميلية بكل أشكالها لتصل لمجمل أجزاء الجسم، تحولت معها المرأة لدمية مزيفة ذات شكل واحد والهدف واحد، جذب انتباه أكثر للجسد فقط.

تتساءل الكاتبة Vanessa Pineda مستنكرة تكالب النساء عامة والمشهورات خاصة على استعراض أجسادهن على مواقع السوشال ميديا وتأثير فعلهن على بقية النساء «لماذا لا يتعين على الرجال استعراض أجسادهم أو خلع ملابسهم ليتم تقديرهم؟! إذا كانت المرأة تريد أن تكون مساوية للرجل ويتم تمكينها وأخذها على محمل الجد، فيجب أن تعتمد على ذكائها وعملها الجاد بدلا من استعراض جسدها». هذا الاستنكار ذاته لطالما صدحت به الكاتبة المصرية المعروفة الدكتورة نوال السعداوي.

يذكر أن دراسة قام بها مركز الآفاق الجديدة للعلوم والهندسة البريطاني حول المهن التي تتطلع لها الفتيات، أظهرت أن 32% من العينة يتطلعن لامتهان عروض الأزياء و29% التمثيل، بينما حصدت العلوم 14%، والهندسة 4% فقط من طموحات الفتيات! (أكاد أجزم لو أجري مثل هذا المسح في العالم العربي فستكون النسبة 80% بدلا من 32%!).

ولو قارنا أفعال مشهورات الغرب بمشهورات العرب فلن نجد أدنى فرق. من منا لم يشاهد امتعاض المشهورات حين يُسألن من هي الأكثر إثارة بينهن؟ هل توجد مشهورة واحدة سألت ما فحوى السؤال أصلا؟ وهل يليق سؤال بذلك المستوى بنماذج تبذل كل جهدها لأجل صورة تلتقط لها من الخلف؟! بل إن هناك نماذج من مشهورات العرب ضحين بالعائلة والاستقرار فقط لأجل الاستعراض أمام عدسة الكاميرا!

الأبحاث الغربية حول مفهوم الـ self-objectification أكثر من أن تحصى، وكلها تثبت أن ترسيخ المرأة لذاتها فقط كجسد في الإعلام التقليدي والجديد، غير بشكل جذري الطريقة التي يجري إدراك المرأة بها، وجعل الناس ينظرون إليها على أنها أقل ذكاء وإنسانية، نتيجة لقبولها أمورا تصل لانتهاك إنسانيتها في سبيل الظهور، والنتائج السلبية المترتبة على ذلك تمتد لتشمل النساء من كل الأعمار، فضلا عن التأثير المباشر وغير المباشر على الرجل، وتلك السلبيات أكثر من أن يسعها هذا المقال.

أختم بمقولة آسيوية «المرأة كمسمار في حائط يتم تعليق أي شيء به، ولا بد من دعم المرأة لتخرج من الحائط»، وأعتقد أن ذلك الحائط ليس إلا القالب الجسدي الذي وضعت المرأة نفسها فيه بكامل إرادتها، وللخروج من الحائط ولكسر القالب لا بد من تصويب البوصلة بدلا من إلقاء الملامة على التاريخ والموروث والمجتمع، فالواقع يثبت أن اليوم هو الأمس بكل تفاصيله، وأن المتغير فقط هو دور البطولة.

Rabeahmansoor@