حينما أسست شركة المياه الوطنية كان هدف الدولة هو تحول خدمات المياه لنظام الخصخصة باعتباره نظاما خدميا جيدا، بعد أن ثبت نجاحه في توفير الخدمات الجدية للمواطنين بالعديد من القطاعات الحكومية التي جرت خصخصتها، ومع بروز الشركة كواقع عملي استبشر المواطنون خيرا، فوجودها يعني توافر المياه بكافة الأحياء السكنية وبكميات جيدة على مدار العام تقضي على نظام المناوبات الذي عانت منه مكة المكرمة سنوات، خاصة خلال مواسم الحج والعمرة.
وما كان من أحلام وردية وآمال وتطلعات تجاه الشركة وخدماتها الجيدة للمواطنين حطمتها فواتير الاستهلاك بشرائحها الخمس، وجبايتها بين الفينة والأخرى لمبالغ يقال إنها مخالفات رصدت بحق المشتركين!ولا نعرف ما هي هذه المخالفات؟ وهل بات على المواطن أن يسدد مخالفات مرورية وأخرى بلدية وثالثة للمياه؟، ولا نعرف الرابعة لمن؟ وإن كان المواطن مخالفا لنظم وأعمال الشركة وسعى لإهدار المياه كما تدعي الشركة فعليها أولا أن تحسن نوعية أدواتها ولا نرى شبكات تهدر مياها بالشوارع وتغيب الصيانة عنها.
وأما إن المواطن ملزما بسداد الاستهلاك والمخالفات فإن من حقه المطالبة أولا بتوفير المياه على مدار الساعة كحق مشروع له، والاحتجاج على المبالغ المالية الملزم بدفعها، في حال وجود خطأ بها، باعتبار أن النظام أجاز له ذلك.
غير أن الشركة التي يقال إنها تعمل لخدمة المواطنين ترى عكس ذلك، إذ تنظر أولا لحقوقها المالية فتسعى لإلزام المواطنين بسداد المبالغ المدونة بالفواتير الصادرة سواء كانت صحيحة أم خاطئة!وترى أنه ليس من حق المواطن الاحتجاج على أي خطأ، فالشركة منزهة عن الخطأ!وبين الفينة والأخرى نقرأ ونسمع عن معاناة المواطنين مع شركة المياه، فتارة تأتيهم بمخالفات مسجلة لم يرتكبوها، وتارة تأتيهم بمبالغ مالية لكميات لم يستهلكوها، ولا نعرف ما إذا كان هدف الشركة تحقيق أرباح مالية ليتم توزيعها على موظفيها كمكافآت، أم أن هدفها تطوير الأداء والارتقاء بالخدمات.
وكثيرا ما أحاول الابتعاد عن الشركة وخدماتها لقناعتي التامة بأنها لا تتجاوب مع الواقع، ولا تسعى لإصلاح الأخطاء بقدر سعيها لجني الأموال من المواطنين لوحدات سكنية مأهولة وغير مأهولة بالسكان.
وإن سعى مشترك للاحتجاج جاءه الرد المختصر، (سدد ثم عارض)، والسداد هنا يعني الاعتراف بارتكاب المخالفة، لكن التحقق منها ومعرفة ما إذا كان أحد منسوبي الشركة قد ارتكبها يعتبر أملا بعيدا للمواطن، كبعد الشمس عن كوكب الأرض، فالشركة ترى أن موظفيها لم يرتكبوا أي خطأ بحق المواطن، وأنهم أكثر التزاما بالخدمة، وأن المواطن هو المخالف لكل النظم والقوانين ويجب معاقبته.
وبين يدي فاتورة بمبلغ (14581.
70) ريالا لفترة استهلاك من 29 / 2 / 1436 هـ إلى 11 / 6 / 1436هـ لمبنى خال من السكان ألزم مواطن بسدادها! وحينما احتج على خطئها جاءه الرد سدد ثم احتج!فأي احتجاج يكون بعد السداد؟، ولمن يقدم المواطن احتجاجه؟، إن كان الموظفون قلة قليلة ونسبة منهم لا يتواجدون بمكاتبهم، ورؤساء الأقسام ومديرو الإدارات يغلقون أبواب مكاتبهم بحجة الاجتماعات، فأين يذهب المواطن المسكين ولمن يشكو؟.