بدأ المطر جولاته الموسمية «المجدولة» على عدد من مدن المملكة بعد أن غاب قرابة العام، وكالعادة استطاع في ساعات قليلة أن يكشف سوءات الكثير من المشاريع المليارية، ويصل بوقت قياسي إلى حقائق لن تستطيع اللجان الوصول إليها بسنوات!
المطر هذا الكائن الشاعري اللطيف يأتي كل عام وهو بقمة اللطف والذوق ليمنح الأطفال البهجة، ولا يأبه بنظرات الكبار التي تتوزع بين التوجس والخيبة.. وبعد هذه المقدمة اللطيفة ينبغي أن نتحلى بالموضوعية، ويكون لدينا إحساس بالمسؤولية (خذوا بالكم من مسألة الإحساس هذه) فلا ينبغي بأي حال من الأحوال ـ بما فيها الأحوال الجوية- أن نرمي كامل المسؤولية على المسؤولين في الأمانات والبلديات، فهم للأمانة لم يقصروا، والدليل أنهم كانوا جمعيا وقت حصول الكارثة بالميدان، ومن لم ينزل منهم للميدان تبرع المطر وزاره في مكتبه، قيل إنه ألقى عليهم السلام، وقيل إن المطر فقط نظر إليهم بنظرة تتراوح بين الشفقة والسخرية، فالمطر هذا العام خدع المسؤولين، فبعد أن عودهم خلال الأعوام الماضية أن يأتي (منقولا) عبر الأودية والشعاب خدعهم هذا العام وأتى من السماء ـ
يا سبحان الله! ـ ولهذا أرى أن تحميل المسؤولين للخطأ كاملا هو نوع من التجني، وأخشى أن يكون تذمرنا من الخسائر التي حدثت في الأرواح والممتلكات هو من أسباب الغفلة ـ نسأل الله السلامة ـ فيجب الإيمان بالقضاء والقدر، فما كتبه الله سيكون، ولو كانت هناك شبكة تصريف رائعة ومثالية، وقد كتب الله أن تموت في هذا اليوم غرقا فإنك لا محالة ستموت، ويجب ألا ننسى أن الغريق يأخذ حكم الشهيد، ومعاذ الله أن تحرم الأمانات مواطنا من أن يموت شهيدا، هذا لو سلمنا ـ جدلا ـ أن الأمانات هي المتسبب بذلك، لكن العاقل الحصيف يدرك أن السبب هو خداع المطر فقط، فمن كان يصدق أن المطر يطرأ بباله فكرة التسلل خفية ليعطل المضخات المسؤولة عن التصريف فيقطع عنها الكهرباء، سيما أن العاقل الحصيف ـ أيضا ـ يدرك أن هذه المضخات لا يمكن أن تتعطل إلا بفعل فاعل، وهو المطر بالتأكيد، فالبديهي أن هذه المضخات مصممة على هيئة (قنفذ) تغطي نفسها متى ما أحست بالمطر/‏ الخطر، لكن كما أسلفنا في كل مرة يتخذ المطر خدعة جديدة لإحراج المسؤولين ويسلب جهودهم في أول رشة، فمطر هذه الأيام ليس كمطر (الطيبين) الذي لا يتعدى الأودية ويحترم السدود، ويؤمن أن لكل مخلوق مجراه، ولو قال قائل إننا نحن من تعدينا على مجراه وبنينا فيها بيوتنا، فالمفترض بالمطر أن يقدر حاجتنا للسكن، وهو بالمقابل لا يعاني من أزمة بهذا الخصوص، ومع ذلك يجب أن نكون نبلاء ولا نتجاوز شرف الخصومة، فلا ننسى أنه المطر يبعث البهجة في نفوس أبنائنا رغم أنهم ـ غالبا- لا يرونه، لكنهم يحبونه كونه يتسبب في تعليق الدراسة!

[email protected]