(التَّـدَيُن) مصدر (تَدَيَّن)، وصيغة الفعل (تفعَّل) تدل على محاولة الاتصاف بشيء، فـ(تديّن) أي: حاول الاتصاف بالتمسك بالدين، مثل (تصبَّر)؛ أي: حاول الاتصاف بالصبر، ومن فعَل التَّدَيُن فقد يصيب في فعله فيوافق الدين وتعالميه، وقد يخطئ ويكون تدينه وفقًا لفهمٍ متأثر ببيئته؛ إذ الدين ليس متعاليا على الواقع، بل هو في علاقة جدلية معه؛ وغالبًا ما يكون واقع مجتمعٍ ما بتقاليده وعاداته وأعرافه ذا تأثير كبير في فهم الدين وتفسيره، وقديما قعَّد بعض الفقهاء لما عُرِف بـ(الكفاءة في النسب) في الزواج، وهذا التقعيد هو من أثر أعراف وتقاليد القبيلة العربية في فهم الدين وتفسيره.
هذه الجدلية بين الدين والواقع أنتجت أنماطًا من التدين؛ إذ تعددت صور التدين وأنماطه بتعدد المجتمعات الإسلامية، ولهذا وجدنا أن الإمام الشافعي تغيرت بعض آرائه الفقهية حينما انتقل من العراق إلى مصر، وأصبح له فقهان؛ فقه قديم، وفقه جديد، وسُئِل ربيعة بن عبدالرحمن - أحد علماء المدينة - حينما عاد من العراق: كيف رأيت العراق وأهلها؟ قال: «رأيت قوما حلالنا حرامهم، وحرامنا حلالهم»، وإنما كان هذا الاختلاف بين فقه الإقليمين تبعًا لجدلية واقع كل إقليم مع النص الديني.
هذا في مجال التقعيد والتأصيل لأحكام الدين من قبل العلماء والفقهاء، وأما في مجال الفهم الشعبي للدين، والممارسة الشعبية لشعائر الدين وتعاليمه فإن عوائد وتقاليد وأعراف المجتمع هي المؤثر الأكبر في ذلك؛ إذ تغيب الحدود الفاصلة بينها وبين الدين، فمثلا تستهجن التقاليد في منطقة القصيم لبس الثوب القصير إلى أنصاف الساقين مع ورود أحاديث شريفة في هذا، وفي فورة الصحوة وفد إلى القصيم جموع من الشباب المتدينين من غير المنطقة لطلب العلم، وكانوا يلبسون ثيابا إلى أنصاف الساقين، فكان أهل القصيم المتدين منهم وغير المتدين – خاصة كبار السن – ينظرون لهم شزرا مستنكرين فعلهم، وقبل أسبوعين كنت في مؤتمر في مدينة مالانق في إندونيسيا، عُقد في جامعة إسلامية وحضره متخصصون في اللغة والشريعة من دول عدة، وفي بدء المؤتمر تقدم شاب وشابة يغنيان أغنية (يا رب) وهي أغنية ديتو عربية لمروان خوري وكارول سماحة مع موسيقى صاخبة وسط ذهول المشاركين من السعودية خاصة، وبعد الاستفسار تبين أنهم غنَّوها للتدليل على أن طلبة الجامعة الإسلامية يتقنون اللغة العربية، وفي حديث جانبي مع أحد الحضارمة هناك قال: إن من مظاهر الحج لدى الإندونيسيين غناء أغنية (مقادير) لطلال المداح في مخيمات مشعر منى، ووجدت مصداق كلامه منشورًا في اليوتيوب، وفي اليوتيوب - أيضًا – وجدت جلسات غناء ديني مع الدف والرقص لمجموعة حجاج سودانيين في مخيمهم في مشعر منى، وإذا استثنينا أركان الإسلام الخمسة التي هي ثوابت دينية اتفق المسلمون على صفتها، وكيفية أدائها، فإن ما عداها من الآداب والتعاليم تخضع -غالبا- لعوائد وأعراف وتقاليد المجتمعات وفقًا لجدلية النص الديني مع الواقع.
هذه الظاهرة الإنسانية التي لا تستثني مجتمعا أو دينًا تثبت أن (التدين) هو نتاج جدلية الواقع والنص الديني، وأن (التدين) يتعدد بتعدد المجتمعات، ويختلف باختلاف العصور، ومن هنا فإن ما يدعو إليه بعض المتحمسين من إلزام الناس بما يسمى (فهم السلف) يطرح تساؤلا عن هذا الفهم الذي يدعون لجعله معيارًا للصواب الديني: أليس هذا الفهم هو نتاج لواقع وعوائد وأعراف ذلك الجيل، وقد تغيرت العوائد والأعراف عما كانت عليه آنذاك؟!، ليست هذه المقالة دعوة إلى جعل الدين فضفاضا دون ضبط وإحكام، وإنما هي دعوة لأمرين؛ الأول: دعوة الباحثين في علوم الشريعة لتكثيف البحث في أسباب نزول القرآن، وأسباب ورود الأحاديث الشريفة؛ والتأكيد على أنه من أهم وسائل فهم النص الديني، والأمر الثاني: الدعوة لتفهم واقع المجتمعات الإسلامية التي تختلف عنا في تطبيقاتها للدين وفق فهمها وعوائدها وأعرافها.
التعددية في (التَّديّن)
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
