مشاهير الإعلام الجديد يكتسحون الإعلام والإعلان، يروجون الخبر ويساهمون في صناعة (ميديا) حديثة تسير المجتمع وتعيد تشكيله وفق أعراف وتقاليد إعلامية إعلانية جديدة.

في المقابل الإعلام التقليدي ببلاطه وسدنته يئن تحت ضربات الإعلام الجديد وسطوته.

حرب المصطلحات مستعرة بين الفريقين، فكلمة إعلامي يدفعها المجتمع باتجاه مشاهير السناب والمنصات الاجتماعية الأخرى، والناس لا يعنيها المصطلح ولا أبعاده وتطبيقاته، والإعلام التقليدي برموزه ووزنه، وأعلامه وأدواته غير قادر على مواكبة هذا المد الجديد من الإعلام الذي أصبح فاعلا ومؤثرا، وربما مصادرا لكثير من أساليب الإعلام القديمة.

الإنسان ينحو إلى الجديد ويرى فيه فرصة للتغيير، والقديم مع تقادمه يصبح مملا وغير قادر على مجاراة الجديد.

في صناعة الإعلام الجديد ظهرت سطوة بعض الأسماء العادية جدا، من خلال رصدهم ومتابعتهم لبعض المناشط الاجتماعية، هذا الرصد يكون انطباعيا لا تحكمه أعراف أو تقاليد إعلامية راسخة، إضافة إلى سرعة في نقل الحدث وتوثيقه من خلال ما يطلبه المشاهدون، وليس من خلال قواعد راسخة في المصداقية والمثالية، ومع ذلك تجلى هؤلاء الشباب نشطاء السوشال ميديا اجتماعيا، وتغلغلوا في صناعة إعلام جديد قوامه هاتف محمول ولحظة فارقة لتوثيق أحداث أقل من عادية، ورؤوس فارغة من كل شيء سوى شهوة الحضور ومتلازماتها.

السؤال الأهم: متى تعود سطوة الإعلام التقليدي ليكون الفاعل في توثيق الأحداث ونقلها والتعامل معها؟ متى يعود هذا الإعلام وهو الذي يتكئ على تجربة عميقة ويكتنز بين جوانبه عديدا من الأسماء الفاعلة القادرة على صنع الفارق للإعلام والأعلام ومعهما المجتمع والإنسان؟

يجب أن نعترف أن الإعلام التقليدي يعيش حالة من التكرار، والسبب يعود إلى المفهوم العتيد لمنصاته المختلفة، هذه المنصات تسير وفق رؤى قديمة راسخة في التقليدية بعيدة عن فهم المارد الإعلامي الجديد الذي يتنصل من المكان والزمان وضوابطهما، ليقدم بضاعته الثمينة عند الأفراد، المزجاة بحسابات الأعلام الذين يرون فيهم عبئا على المصداقية وتحري الموضوعية والدقة.

الإعلام التقليدي خسر السبق الخبري الذي بوأه الصدارة أزمانا عديدة، والسبق يكون على مستوى الأخبار العادية التي تلامس الإنسان واحتياجاته المعيشية، في المقابل الإعلام الجديد يصنع السبق ويدفعه عبر منصاته ليكون مادة إعلامية يتداولها الأفراد خبرا يرضي فضولهم ويزيد من مساحات الجدل وصناعة الثرثرة وصناعها.

أما على صعيد الإعلان فالكفة تميل كثيرا للإعلام الجديد، فقد أصبحت صناعة من لا صنعة له، (والسنابي) يصنع ذاته السنابية الإعلانية معتمدا على أمرين، أولهما عدم وجود تشريعات رقابية تضبطه وتضبط ما ينشره، والثانية النزعة الاستهلاكية التي تتغشى المجتمع، ليصبح الأكل والشرب والكماليات أساسيات في يوم الفرد وليله، وهذا يقتضي حراكا استهلاكيا كبيرا يحركه التاجر بماله معتمدا على منصات أفراد تواصلية وجدوا أنفسهم يتقاضون مبالغ خيالية لم تكن تخطر على بال أحد منهم.

الغريب أن هذا المفهوم الاستهلاكي قد تجاوز التجار والأفراد ليصل إلى بعض المؤسسات الخدمية التي بدأت بتسليع مفاهيمها وشيء من خدماتها الروتينية عبر كاميرات السنابيين الجدد الذين يروجون للمنتج الخدمي بطريقة مقدم الخدمة وأسلوبه وطريقة تفكيره، وهذا يعكس بعدا آخر من أبعاد سلطة وتسلط الإعلام الجديد.

يبدو أن المرحلة تزف الإعلام الجديد ليكون المتحدث الرسمي باسم الحياة وإنسانها وحوادثها، والإعلام القديم يتجه إلى الرف كأراشيف ورقية وتسجيلات مرئية شاهدة على عصور ولت وربما لن تعود.

بقيت نقطة أخيرة، هل يمكن للإعلام القديم أن يعود؟ الجواب نعم متى ما أعيدت صياغته بطريقة أكثر عصرية، تعتمد على الأفكار ووهجها، والمصداقية وخبرها، فالسبق الخبري أساسه المصداقية، والمصداقية تعني المسؤولية، والأخيرة لا يمكن أن تكون في هذا الإعلام الجديد المنفلت من سلطة الرقيب والضمير، المتفلت من كل أعراف الصنعة الإعلامية وقيودها ومواثيقها.

alaseery2@