مع الأسف وزاراتنا بعيدة جدا عن الإبداع والابتكار، ودائما ما نلقي باللوم على الوزراء بأنهم لم يواكبوا التغيير ولم يحققوا نتائج مرضية تصل بأثرها للمواطن البسيط .
وحقيقة لنكون منصفين فكثير من وزرائنا نجحوا في القطاع الخاص وحققوا نتائج كبيرة وصنعوا مؤسسات نشهد لها جميعا بالتميز ومواكبة التغيير.
أي أنهم يملكون من الكفاءة والفاعلية والإنتاجية ما يٌحقق طموحات ذلك المواطن ولكن هل الثقافه السائدة في وزاراتنا تحقق بعض من معايير النجاح المؤسسي؟! وهل وزراءنا ضحية بيروقراطية أدلة وأنظمة لم تواكب التغيير؟! هل يختنقون في صمت ويٌقتل الإبداع في عقولهم؟! أن التطورات التي يشهدها العصرين الحديث أدت إلى تغييرات هائلة في الدور التقليدي للعمل الحكومي الذي اقتصر تاريخيا على أربعة محاور أساسية هي التشريع والقضاء وتنفيذ القانون وبسط السلطة والحماية وتنظيم الحقوق بين أفراد المجتمع، حيث فرضت هذه التطورات على الحكومات أدواراً جديدة وتطلّبت منها أن تتغير لتستطيع أن تسدد وتقارب بين ما هو مطلوب منها وما عليها أن تحققه بشكل أساسي.
إن الحكومة أصبحت في العصر الحديث تتحمل مسؤولية قيادة المجتمع نحو التطور والعمل على تحسين حياة ومعيشة أفراده وتقديم الرعاية الاجتماعية والإنسانية لهم بحيث أصبح نجاحها مرتبطاً بمدى جودة وفعالية خدماتها، إنّ دخول مصطلحات جديدة في علم الحكومات منها "جودة الخدمات" و"رضا المتعاملين" و"سعادة المجتمع"، التي تتأثر جميعها بالظروف المحيطة وتفرض على الحكومات إعادة اختراع نفسها وممارسة الإبداع لتتمكن من التحكم بالمتغيرات وتنفيذ خططها بشكل مهني دقيق.
الحكومة المبدعة هيّ حكومة تعمل على تطوير القيمة المضافة في منظومة عملها وخدماتها، وتتسم بأنها أكثر استجابة لمتطلبات وتوقعات مجتمعها، حيث تعمل على بناء الثقة مع أبناء المجتمع من خلال انتهاج الشفافية وتحقيق النتائج التي يتوقعونها.
إنّ الحكومة المبدعة هي التي تحرص على تحقيق التوزان بين عنصري الكفاءة والفعالية وتوظيف التكنولوجيا، وتسعى بشكل مستمر إلى أن تكون متعلمة، وأن تستخدم الإبداع والابتكار كأدوات لتحقيق الإنجازات، فضلاً عن اهتمامها بتطوير رأس المال البشري وتعزيز قدرات موظفي القطاع الحكومي وتطوير مهاراتهم، وتحقيق التوزان والترابط والتكامل بين مكونات الإنتاج الرئيسية الثلاثة المتمثلة في الأفراد والعمليات والتكنولوجيا للخروج بشكل من أشكال التنظيم الذي يمكّنها من تحقيق الغايات والأهداف المؤسسية التي تحددها.
ولابد من الترابط بين عنصري الكفاءة والفاعلية، حيث أن غياب الكفاءة رغم وجود الفعالية يعني أنه لا يمكن تحقيق الأهداف بالصورة الصحيحة، في حين يعني وجود الكفاءة وغياب الفعالية أن الأعمال تنجز ولكن دون التوجّه نحو تحقيق أهداف واضحة.
أنّ إيجاد التوازن بين هذه المكونات الثلاثة، يتمّ من خلال وضع الهياكل التنظيمية والخطط الاستراتيجية للمؤسسات الحكومية بشكل يدعم قدرتها على تنفيذ مشاريعها ومبادراتها وفق أعلى درجات الكفاءة والفاعلية، وبالتالي تحقيق النتائج والأهداف التي تسعى إليها، أنّ عدم القدرة على تحقيق التوازن يجعل المؤسسة أكثر عرضة لنتائج لا يمكن التنبؤ بها وتكون غالباً عشوائية وغير مقصودة.
تعتبر (الموارد البشرية) الحلقة الأقوى والمحرك الأساس لإنجاح العمل المؤسساتي، والذي يوثر بدوره على منظومة العمل الحكومي بأكملها، الأمر الذي يتطلب التركيز على إعداد كوادر مؤهلة تستطيع استثمار التعلم وتحويل الابتكار إلى إبداع، أن المورد البشري وخاصة القيادي يلعب دوراً حاسما في الوصول إلى الحكومات المبدعة، الأمر الذي يتطلب من الحكومات العمل على بناء وتطوير العقلية الذهنية لأفرادها بالتوازي مع بناء وتعزيز قدراتهم ومهاراتهم العملية.
إنّ الحكومات المبدعة تسعى إلى ضمان عمل مؤسساتها بشكل متكامل ومتناغم كخلية نحل لتحقيق مستهدفات معينة، بحيث يمكن الوصول إلى خدماتها من خلال نافذة موحدة، وهو ما يستدعي إعادة هندسة إجراءاتها وتصميم رحلة المتعامل معها بحيث لا تقتصر على مؤسسة بمفردها، بل تشمل المستوى الكلي للمؤسسات الحكومية، أن الحكومات والمؤسسات ما زالت تطور استراتيجياتها ومشاريعها بكلف عالية ولا تعير الاهتمام الكافي لإعادة هندسة عملياتها بشكل يخفض الكلفة ويرفع مستوى الكفاءة هذا غير المشاريع المتعثرة التي تسحبهم إلى القاع وترفع معها الإحباط في البيئة الحكومية.
أنّ من سمات الإبداع الحكومي، العمل على بناء وتطوير قيمة مضافة للمجتمع بما في ذلك تحقيق تكافؤ الفرص وتطوير خدمات أفضل وتحسين نوعية حياة أبناء المجتمع، وتحقيق ذلك كلّه يرتبط بقدرة المؤسسة على الوصول إلى الأهداف التي خططت لها بأقل الموارد والتكاليف.
ولابد أن تسعى الحكومات إلى تحقيق الإبداع والابتكار بأن تعي أهمية تحوّل مؤسساتها إلى مؤسسات منتجة للمعرفة وباحثة ومتعلمة، لأن هذا التحول هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها مواجهة التحديات والمتغيرات العالمية في مجال العمل المؤسساتي الحكومي، وترسيخ وتعزيز مفاهيم التعلم الرسمي وغير الرسمي والاجتماعي بمستوياته الفردي والجماعي والمؤسسي.
ولابد من وضع استراتيجيات لتحقيق الابتكار والإبداع في مختلف المجالات بحيث تشمل كافة مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص وقطاع التعليم العالي مع تركيز الاهتمام على البحث العلمي والتوسع بالاستثمار فيه، وبالتواصل وتكوين شبكة تضمّ كافة المعنيين يمكن من خلالها الاستفادة من مزايا "الإبداع المفتوح".
أنّ تكنولوجيا المعلومات أصبحت في عصرنا الحالي أحد الممكنات الرئيسية التي تساهم في تمكين الحكومات ومؤسساتها من تحقيق الإبداع وزيادة قدراتها التنافسية، خصوصاً وأن التطورات التكنولوجية المتسارعة والمفاهيم الحديثة مثل (البيانات المفتوحة والبيانات الضخمة وأسلوب الجيميفيكيشن والحوسبة السحابية) تؤثر بشكل كبير على شكل السياق أو الإطار العام الذي تعمل فيه الحكومات.
دعونا نكون منصفين فالوزراء كانو مدرآء ناجحين ضمن بيئات تحفز على الإبداع والإبتكار فلا نُشكك في قدراتهم بل هم يحتاجون إلى تحرر في الإبداع والإبتكار من خلال إعادة النظر في القوانين والأدلة الحكومية.