يكافئ الله الباحثين عن الحقيقة بنية المعرفة وبدون انحيازات عقائدية أو عرقية، بمزيد من المعارف والتجارب والمواقف التي تفتح آفاقهم، وترفع من مستوى وعيهم وفكرهم.
ولربما اعتقدنا أن ذلك يحدث صدفة، ولكن الحقيقة هي أن الوعي والتنوير عملية تأخذ عمرا كاملا، ولكن الله يهبها وينولها لمن أثبت أنه يستحقها، من خلال عمل صالح، أو نية صادقة لخير الإنسانية.
مترفعا عن الهراء الدنيوي، والمظاهر الزائفة.
قليلون، قليلون، قليلون أولئك الذين يستطيعون تحمل جذب الانتقال من مستوى وعي إلى مستوى أعلى.
فهو وإن كان متاحا للخلق أجمعين، إلا أن القدرة على المرور إليه والتسامي به تستلزم إعدادا طويلا، وصبرا شديدا، وجهاد نفس عميقا، حتى تصبح إنسانا أكثر تعاطفا، أكثر فهما ونضجا، والأهم أكثر مرونة وتقبلا للآخر والمختلف والغريب.
فما عليك إلا أن تعود فتستمع لذاك الصوت الذي كان يزورك كثيرا وأنت صغير بريء، ومن ثم هجرك حين كبرت وانشغلت عنه بالمحسوس من المألوف والنمطي والمتوقع، فغابت عنك بصيرتك، وانفردت بك محدوديتك، وانضممت لجحافل الذين يتنفسون، ولكنهم أبعد ما يكونون عن الحياة.
فقط حين تستمع، ستشعر بشيء من الجذب يعتري سائر جسدك، فيبدأ من مناص الروح، فتشعر بنزاع أصغر وهو يسحب منك شيطانا من الغرور والتعالي، سكنها عمرك كله حتى ذلك اليوم.
ثم قلبك الذي تتسارع خفقاته يحاول ذلك السواد فيه من مرارة وحقد، وذكريات مؤلمة، أن يهرب من ذاك الذي سيمحوه إلى الأبد.
ثم عقلك الذي تتزاحم أفكاره، في بقعة نائية من أعقد معتقداتك وموروثاتك، خائفة من ذاك الذي يروم فوقها، مبقيا تلك وساحقا الأخرى بجبروت سلطان غاشم.
حينها فقط ستصبح مستعدا للسمو بنفسك بعد أن أيقنت أنها جزء وليست كلا.
أنها خُلقت لتتسامح وتساعد قبل أن تحاكم وتتجافى.
إنها مفطورة على الشعور قبل أن تخلق لها الماديات فتنشغل بها عن وحي السماء، وحينها فقط ستسمع الصوت في داخلك، ستسمعه بأذن داخلية خلقت داخل رأسك، ليقول لك بهمس ملائكي (إنك بأعيننا)، لتبدأ رحلة جديدة نحو نفس جديدة، رسالة أكبر، وكون واسع الاحتمالات.