لو سألنا أي إنسان، مهما كان علمه، سؤالا مباشرا: أيهما أهم في رأيك الإسلام أو المذهب الذي تتبعه؟ لكان الجواب بلا تردد أن الإسلام هو الأصل وأن ما سواه من المذاهب والرؤية والآراء في الدين هي تفسير له وعائدة إليه وليس غير ذلك.

وهذه المذاهب والتفسيرات في حقيقتها هامش عريض على أصل تعاليم الإسلام الخالدة، دعت إليها قرون طويلة وأحداث ماضية كان فيها من الخلافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يعجز العقل عن تتبعه وإحصائه ونتيجتها التباعد والاختلاف بين الفقهاء، وتبعها تراكم كثير من الأحكام التي أصلوها فكانت بحوثهم على هذا الهامش العريض هي سبب التباعد.

ولو عاد الفقهاء إلى رشدهم، وقدروا السلامة مما أحدثوا لما نصر أحد مذهبه الذي يذهب إليه على دينه الذي يدين الله به. كل ما نراه يحدث اليوم من تمزيق وحدة الأمة الإسلامية وتشتيت العرب وتفرق كلمتهم كان سببه اتباع المذهب والغلو به وترك شمول الإسلام وشمول الدعوة إليه، وقد وقعت الحرب في كل قطر عربي وتنازع جماعة المسلمين وانتصر كل منهم لمذهبه ومن يرى رأيه، ومال به الهوى إلى منحدرات بعيدة من المبالغة حتى صار اتباع المذهب أولى من اتباع تعاليم الدين.

وليس ما نشاهده في البلاد العربية من استمرار القتل والحرب والعداوة والبغضاء إلا نتيجة طبيعية لغفلة الناس عن مكايد الشيطان، يوم فضلوا ما نختلف حوله بل ما يجوز فيه الخلاف ويشرع الاجتهاد على ما لا يجوز فيه الخلاف ولا يصح.

الإسلام مظلة واسعة وقبة عالية الشرفات كل يستطيع أن يجد في رحابتها مكانا يستريح فيه مطمئنا لا تزعجه الأحداث، ولا تنتابه الوساوس، وهذا روح الدين واطمئنان أتباعه إلى نهجه وعدالته وعروته الوثقى، حيث لا يفرق جماعة المسلمين ولا يميز بينهم، تتسع دائرته للمؤمنين بثوابته العليا وقيمه الرفيعة .

أما المذهب فهو رأي لرجل اجتهد في مسألة من المسائل التي تعرض للناس في حياتهم قد يكون اجتهاده لزمن مضى، أو لحال عارض لا يلبث أن يزول، أو ظروف أحاطت بها قضايا تحتاج إلى أن يقول فيها الفقهاء قولا لا يعدو أن يكون وقتيا

ومرحليا واجتهادا شخصيا، وهذه كلها احتمالات ومسوغات يعمل الناس فيها أفكارهم ويبحثون عن حلول لما هو عارض في حياتهم ومتجدد في كل الحالات، ولا اعتراض على أن يدلي الفقهاء بآرائهم ويجدوا لهم مؤيدين وأتباعا وأنصارا يؤمنون بما وصل إليه اجتهاد الفقيه من حلول لما يعرض لهم من مشكلات، هذا شأن لا غبار عليه ولا اعتراض.

لكن التمييز بين رأي الفقهاء في أي مذهب وبين ثوابت الإسلام وتعاليمه الشاملة هو ما يجب أن يحدد ويبين للناس، فعامة المسلمين اليوم أصبحوا أسرى المذاهب الفقهية يأخذونها على أنها هي الدين ويقاتلون عنها قتالهم عن أركان الإسلام، وما هذه الحروب الطائفية والقتل واستباحة الدماء والأموال إلا نتيجة فهمهم الخاطئ لحدود الاجتهاد الفقهي، وبسبب جهل العامة وعدم تمييزهم بين مسائل الفقه واجتهاد الفقهاء وبين أصل الإسلام وأركانه التي لا خلاف فيها بين المسلمين.