«الطبيب أولا» ليست عبارة ترويجية، ولا حالة من حالات استغفال المجتمع والكذب عليه، هي حقيقة كاملة الأركان، فكما أن الفقه أشرف علوم الدين، فالطب أشرف علوم الدنيا.

الطبيب في كل أنحاء الدنيا هو نتاج منح إلهية عظيمة من الذكاء والصبر والمثابرة، فجل هؤلاء الناس يتمتعون بهامش كبير من العبقرية والقدرة على صنع الفارق الإنساني الذي يجعلهم أولا حضورا وتميزا وإنتاجية.

الطبيب يعيش ماراثونا زمنيا من الكفاح، فحياته تطبيب وقراءة وتعلم، هو الإنسان الذي عليه أن يتابع الجديد في تخصصه ومعارفه، وهذا الجديد يتغير بالدقيقة والثانية، كون هذا المجال أكثر المجالات تزاوجا بين التقانة والفكر والمعرفة، لذلك الطبيب يحتاج كثيرا من الهدوء والتركيز داخل أسرته ومجتمعه الوظيفي ليبقى حاضرا، متجليا ومنتجا.

إن المرافق الصحية في جميع أنحاء العالم لتبحث أولا عن الطبيب الكفء الذي يضيف للمنظومة الصحية كل بعد أخلاقي ومهني ينعكس على المريض والرعاية الصحية بمجملها، لذلك كان للأطباء مخصصاتهم المادية المختلفة التي تتواءم مع ما صرفوه من أعمارهم في رحلات التعلم المختلفة. هذا التميز المادي قد يجعل بعض المجايلين يشعرون بشيء من الغيرة، كون هذه المخصصات كبيرة جدا قياسا بالعاملين في المكان نفسه، وهذا التفاوت يجب أن يكون، ويجب أن يعرف الآخرون أن لكل تميز ثمنا، ولكل مستوى تعليمي قيمته المادية والمعنوية.

في المقابل، هذه الوظيفة تستهلك الطبيب عمرا وجهدا وربما صحة في كثير من الأحوال، إضافة إلى العزلة الاجتماعية التي تفرضها عليه هذه الواجبات الوظيفية، ففي مراحل دراسته الأولى هو في كلية تحتاج إلى كثير من المتابعة والتركيز، ومن هذه المرحلة العمرية المبكرة تبدأ عزلة الطبيب وتبدأ رحلة معاناته مع التحصيل والدراسة والتطور المعرفي، ناهيك عن الوقت الذي تستهلكه مهنته الطبية، مما قد ينعكس سلبا على واجباته الأسرية الخاصة. هنا نحن أمام شكل من أشكال المعاناة التي يعيشها الطبيب ويجهلها المجتمع وقد يتجاهلها عمدا!

من الإشكالات التي يعانيها الطبيب أيضا، حوادث الاعتداء التي يمارسها بعض السفهاء بحقهم في المنشآت الصحية، وهذا ما جعل وزارة الصحة مشكورة تسن عديدا من الأنظمة والإجراءات التي تحاول الحد من ظاهرة العنف تلك، ضد الأطباء وغيرهم، والتي تجعل الطبيب عادة يعيش على أعصابه خوفا من ردة فعل جاهل أو متهور تجاهه.

أما الأخطاء الطبية فهي الهاجس الذي يؤرق الطبيب ويحد من ألقه وإبداعه، كون المرضى وأقاربهم في سوادهم الأعظم لا يميزون بين هذه الأخطاء والمضاعفات الأخرى التي تستجد مع المريض، إضافة إلى أن الإعلام بأنواعه يجد في هذه الأخطاء فرصة كبيرة ليحضر من خلالها وليمارس شيئا من إثاراته التي تجعل المشهد العام مشتعلا بقضية طبية لا يعرف أساسها ولم تستشف أبعادها المهنية، كل ما في الأمر أن الإعلام يمارس واجبه ولكن بطريقة تجعل الطبيب مذنبا قبل أن يسمع المجتمع ردوده ومبرراته.

لذلك من الضرورة بمكان أن تخصص الجهات الصحية نوعية معينة من المحامين الذين يملكون حضورا إعلاميا وشيئا من المعارف الطبية، للشخوص ومتابعة مثل هذه القضايا، والدفاع عن حقوق الأطباء وتصحيح المفهوم الجمعي لهم وعنهم بين الناس، لتستقيم أفهامهم ولتستبين الجهات الحقوقية الحقيقة وما تتطلبه من عدالة وإنصاف.

أما الطبيبة فلها وضع أكثر خصوصية، فبالإضافة لما سبق وإلى طبيعتها الإنسانية، فهي تحتاج إلى أمور أكثر والى مساهمات مجتمعية وإدارية أشمل، تجعلها مُنصفَة في المجتمع والمنشأة الصحية.

أخيرا، لئن كانت المنشآت الصحية تاجا على قمة مشهدنا التنموي في حضورها وتفاعلها وإنتاجيتها، فإن الطبيبة السعودية هي أنفس درة في هذا التاج، وإن كانت تلك المنشآت عقدا، فالطبيبة السعودية هي واسطته وقلبه ومركزه.

@alaseery2