نعم عزيزي القارئ، فعنوان مقالتي يعبر عن واقع عشته ويعيشه الكثيرون في مجتمع شاع فيه القول: تحتاج إلى واسطة لتدخل على فلان أو فلان مع حفظ الألقاب، وإن كان فلان موظفا عاديا على شباك مراجعين اصطفوا لينهي معاملة لهم ليكملوا دورة الروتين الورقي الذي ورثناه من الماضي البعيد في زمن لزم علينا مواكبة تقنيته المعاصرة التي بدأتها بعض الدوائر الحكومية، ومنها إدارة الجوازات وتلك القفزات التي تضاف لإنجازاتها وليس أدل على ذلك من «أبشر» وغيره مما سهل على طالبي الخدمة إنجاز مهامهم حيثما كانوا.
وبالعودة لما بدأت به فهي حقيقة عشت سطورها لشهر قمري كامل لحاجتي في نقل ابنتي من دائرة إلى أخرى، إذ قصدت العديد من الأعيان والوجهاء الذين توسمت فيهم علاقة وطيدة بمن يقضي مصلحتي بالإيجاب وعبارة «أبشر طال عمرك» فموضوعك سهل وبعبارة أخرى «تم»، وهذا ما حظيت به قولا بلا عمل عبر اتصالات ورسائل واتس اب متعاقبة لهؤلاء الكرام وبالمفهوم العام «الواسطة» لدى ذلك المسؤول.
وقد طال بي المسار والانتظار شهرا، إذ سافر فلان وعاد فلان لانشغالهم بشؤون الحياة وتقلباتها، عافانا الله منها ومن كدر الزمان، وبكل أريحية عشتها مع ابنتي التي كنت أهرب من مواجهتها بين الفينة والأخرى، لعبارات الاطمئنان التي كانت تشنف أذني من الذين تأملت فيهم الشفاعة لدى المسؤول، وقد أُشيع عنه تمسكه برأيه وإغلاق بابه وعدم تعاونه و و..، وليتني لم أستمع لما يشاع خيالا أثبتت الأيام عدم صوابه، لتعود بي الذكريات لمقولة يتداولها العامة: ليس كل ما يقال يحاكي واقعا.
وخلاصة القول مضت عليّ الأيام والليالي تباعا وأنا أنسج لابنتي خيالا كنت أرسمه نسخا ولصقا مما سمعته من الكرام أحبتي «الواسطة» وليتني لم أفعل، وقد تغيّرت أفكاري وتبددت أحلام ابنتي بما يذكرنا بصافرة حكم مباراة لمنتخبنا الكروي والكل ينتظر هدفا يحرزه صعودا لكأس آسيا وقد طال الشوق إليه حلما، يبدده تكاسل وتهاون بعض لاعبي منتخبنا الوطني وتلك الملايين المهولة تصرف عليهم، وبالعودة مرة أخرى لعنوان مقالتي وقد طال الشوق والانتظار لهاتف يبشرني بعبارة تم الموضوع ومبروك للمصونة ابنتكم تحقيق فصل من مسرح أحلامها التي أوشكت أن تذوبها الأيام وطول الانتظار، وأنا المُلام حينها لانشغالي عن ابنتي بخدمة ضيوف الرحمن الذين شرفني الله بحبهم.
وذات صباح تناولت فطوري عند أقدام جنة أمي وأتحفتني بدعوة بدأت بها يومي الناصع البياض حمدا لله وفضله، وبادرت فيه بالاتصال بأحد تلاميذي ليسدي لي بنصيحة الحكماء وقد اعتلى مكانة مرموقة في تلك الدائرة، تعيدني لذكريات حب والده غفر الله تعالى له يوم كان يصطحبه للمدرسة في ماضٍ جاوز العقدين متأملاّ فيه النفع لنفسه وأهله والوطن، فنصحني أحد تلاميذتي بطرق باب المسؤول المعني بالتوجيه والقرار مباشرة إذ الوقت لا يتحمل الانتظار وصافرة نهاية الفرص قد حان انطلاقها.
وفعلا في نفس ذلك اليوم المشرق بفضل الله ثم بدعوة والدتي لي بالفلاح والعون، طرقت باب المسؤول مستبشرا بحفاوة سكرتيره الذي هاتفه قبل مقابلتي التي بدأتها بسم الله وعرض قصتي وابنتي ومشوار الوهم الذي سلكته، وبعبارة المستنجد تأملت فيه الخير وقد حصل بعد أن سألني حاجتي وعرضتها عليه، إذ أردفتها بأن ليس لي وجه أقابل ابنتي وأنا المربي القديم وتلامذتي يعتلون مناصب مرموقة في الوطن الغالي على نفوسنا، ورجوته ألا أخرج من باب مكتبه الذي استقبلني فيه بحفاوة لم أتوقعها إلا مجبور الخاطر، فتبسم بعد أن أسمعني من عبارات العتب لتأخري في الطلب، وفعلا اتصل بالمسؤول في دائرته ووجهه بتحقيق أمنية ابنتي حالا ودون تعطيل، وفعلا تم تحقيق الرجاء إيجابا، وغادرت مكتبه إلى ذلك المسؤول الوقور في نفس الدائرة والذي استقبلني أيضا ببشاشة لإكمال الإمضاءات اللازمة.
وبفضل الله تحققت الرغبة بعد أن طرقت باب المسؤول مباشرة بلا واسطة، محفوفا بدعوات صادقة ليوم مشرق بالكرامات، ولهؤلاء الكرام الذين تأملت فيهم خيرا هم بعون الله أهل له، أقول: شكرا وألتمس لكم عذرا لاجتهادكم فربما حاولتم ولكن لم توفقوا، وما على المحسنين من سبيل، لأعلنها رسالة للجميع «لنطرق باب المسؤول..بلا واسطة»، وعلى المسؤولين في وطننا الغالي تحقيق التوجيهات الكريمة من لدن خادم الحرمين سلمان الحزم، حفظه الله، بفتح الأبواب والاهتمام بالمراجعين والاستماع لهم وتحقيق ما يلزم دون تكاسل، والحديث يطول أختتمه بعد الصلاة على النبي وآله بالقول: إن ذلك المسؤول الذي طرقت بابه «بلا واسطة» وأدعو له بالتوفيق ينادونه «بصاحب المعالي»، فشكرا له وللمخلصين في هذا الوطن الكبير.
طرقت باب المسؤول.. بلا واسطة!
عبدالرزاق سعيد حسنين4 دقائق للقراءة

حجم الخط
