ظهرت عام 2001 حالات من خطف السياح الأجانب في اليمن على أيدي جهات أو قبائل لديها مطالب محددة من الحكومة، فكانت تساوم السلطة على سلامة هؤلاء السياح إن لم تُنفذ مطالبها، ولكن بمجرد أن تتم الاستجابة لها يتم الإفراج عن المخطوفين دون أن يصيبهم أي أذى!

الشاهد أن جميع من أفرج عنهم أشادوا عبر وسائل الإعلام التي التقتهم بالخاطفين والوقت الذي قضوه بصحبتهم، وأنهم أحسنوا معاملتهم، وبينوا أنهم سيعودون إلى أوطانهم وهم لا يحملون لهم أي ضغائن.

في هذه الأجواء التقط رجل أعمال يمني تلك التصريحات الإيجابية، وأنشأ شركة سياحية لخطف السياح الأجانب برغبتهم، بحيث يدفع السائح تكاليف خطفه لدى إحدى القبائل، وعيش مغامرة الخطف بكامل تفاصيلها، وبعد انتهاء مدة التعاقد يعود إلى بلده معززا مكرما.

كصحفي يبحث عن غرائب القصص التقيت برجل الأعمال اليمني وأعددت قصة عن مشروعه «الغريب» نشرتها في صحيفة «الشرق الأوسط»، فأحدثت ردود أفعال طيبة جدا، لعل أبرزها كان من صحيفة اللوموند الفرنسية التي استأذنتني بإعادة نشر القصة على صفحتها الأولى، مذيلة باسمي واسم صحيفتي.. فأذنت لها.

قصة أخرى تعود لعام 2016 عندما جسد الزميل الفنان عبدالله جابر حال العالم العربي برسم كاريكاتيري أقل ما يمكن وصفه بأنه مُعبِّر جدا. فتلقيت بصفتي نائب رئيس التحرير آنذاك ثلاثة اتصالات هاتفية من صحيفتين ووكالة أخبار يابانية تستأذن في إعادة نشر الرسم مرة أخرى مذيلا باسم الزميل والصحيفة، فوافقت على الفور، فأخبروني بأنهم لا يحتاجون لهذه الموافقة الشفهية، ولكنهم يريدونها مكتوبة كرد رسمي من إيميل الصحيفة الالكتروني.

تذكرت هاتين القصتين وأنا أقرأ تغريدة بثتها الهيئة السعودية للملكية الفكرية (@SAIPKSA) على حسابها في تويتر قبل أيام بعنوان «المصنفات المستثناة من الحماية في حقوق المؤلف»، والتي شملت ثلاث فئات. سأركز حديثي هنا على الفقرة (2) التي تهمني كمنتم للوسط الإعلامي، والتي استثنت فيها من الحقوق «الأخبار اليومية» و»الحوادث ذات الصبغة الإخبارية» المنشورة في الصحف والمجلات والنشرات الدورية والإذاعة.

وسؤالي للهيئة هنا:

لماذا منحت التلفزيون الحصانة الكاملة فيما استثنت الوسائل الأخرى؟ ولماذا تشرعن للسطو والتعدي على حقوق الآخرين؟ أليست بهذا التنظيم تعطي الضوء الأخضر لطفيليات الانترنت للإجهاز على ما تبقى من مؤسسات إعلامية تعاني منذ سنوات من نهب حقوقها دون حسيب أو رقيب؟

شخصيا كنت سأقبل بهذا التنظيم لو أن أخلاقيات النشر الصحفي متوفرة لدى جميع العاملين بالمجال الإعلامي، الورقي منه أو الالكتروني، كما هو الحال في فرنسا واليابان وباقي دول العالم التي تجرم التعدي على حقوق النشر الصحفي، غير أن واقع الحال يشير وبوضوح إلى أن «طفيلياتنا الإعلامية» لا تفرق بين الخبر والقصة الخبرية، والتقرير والتحقيق ومقال الرأي، وكل ما ستنشره على صفحتك الالكترونية هو مستباح بعد دقائق معدودة من نشره، إما بإشارة للمصدر «ببنط صغير» لا يرى بالعين المجردة في أسفل الصفحة، إن تذكر أحدهم ذلك، وغالبا لا يتذكر، أو بإعادة ترتيب مقدمة الخبر ليصبح «حصريا» له.

الأكيد أن مواقع الصحف الورقية على الانترنت والأخرى الالكترونية المحترمة، تعاني اليوم من استباحة محتواها دون أي ضوابط، ومثل هذه التنظيمات التي تقفز على الواقع المعاش ستزيد من معاناتها أكثر فأكثر، والأفضل للهيئة قبل تطبيق هذه التنظيمات الحالمة العمل على بناء قاعدة أخلاقية تميز بين ما هو مباح للنقل والآخر الذي يحتاج لموافقة قبل استخدامه.. فهل تراجع الهيئة السعودية للملكية الفكرية قرارها أو ترجئ تنفيذه لوقت آخر، بعد أن تضع التنظيمات الكفيلة بإصلاح اعوجاج النشر الالكتروني وتقطع الطريق على متطفلي المهنة، أم ستصر عليه وتشغل بعد ذلك الجهات القضائية بالفصل بين المتخاصمين حول ما هو مباح وما هو محرّم؟