(1) في زمن ما بعد الحداثة.. الزمن المعلوماتي الرقمي الذي أصبح فيه الكون فضاء واحدا، ينكشف بعضه على كله، ولا مجال فيه للاختباء في (كهف) أو (خيمة)، في زمن ما بعد الطفرة واليقظة والنهضة.. ها.. نحن نعود إلى مربعنا الأول، بالذهنية القديمة (إياها) التي تحتفي بالذات الفردية مقابل الذات الجمعية، وبالفكر (الشعبي) مقابل الفكر (الحديث)، وبالتداعيات (القبلية) مقابل التجليات (الوطنية) و.. و (الإنسانية) الكلية..!
(2) ..من شروط وجود (الإنسان الحديث) وقوعه في ذلك المسار (الرأسي) لحركة الحضارة، والذي يمتد بنمو تراكمي يزداد مع كل خطوة (منتظرة)، وليس ارتهانه إلى المسار (الأفقي) الذي يظل يمتد عرضيا، من غير أن (يرتقي) خطوة واحدة..!
(3) ما استدعى تلك التداعيات في ذهني اللحظة، هو تلك (المناسبات) الاجتماعية، التي تلتحف بغطاء النداءات الصارخة للذهنية (القبلية) الجديدة! لأنها لم تكن مدرجة في السياق القبلي القديم، بأبعاده الإنسانية النبيلة من صدق وكرم وشهامة.
الشيوخ الجدد للقبيلة في الذهنية الشعبية الجديدة، يحاولون أن يقتنصوا (دعوة) من الشيوخ الجدد في القبيلة الأخرى، داخل النسق الذهني نفسه، فيجدوا أنفسهم (فجأة) متصدرين في مجالس القوم، وعلى موائدهم العامرة التي يتوسطها (حاشي) محشي - بالضرورة الجديدة - محاطا بخمسة خرفان (دسمة)، ومطوقة كلها بخمسة (تيوس) حتى تكتمل (تخمة) المكان حد (الغثيان)!
لتكون هذه المناسبة (المختلقة) مبررا مشروعا لرد (الجواب) والتكفل بوليمة أخرى تملأ العيون (والبطون) بعيدا عن (العقول..بالطبع)..!، في اللحظة (إياها)، التي تغيب عنها كل القيم النبيلة التي تتحقق عند التقاء الجماعات ببعضها، فربما خرجوا جميعهم من (المولد) لا يعرف بعضهم بعضا، ولم يتحدث أحدهم لآخر...(مطعم) فاخر بصياغة (قبلية)، ليس بالضرورة أن يتحدث فيه المرتادون لمن ينهضون (بخدمتهم) على أطراف (المائدة)!.. متع ناظريك، وأشبع غرائزك و(اسري.. مع أقرانك في الظلام لا تلوي على شيء ولا تأوي لشيء، سوى ألا تنسى حكاية ذلك الحاشي المطوق بالترف المبتذل، تدلقها على سبيل الفخر، بخطوتك الشجاعة في التقدم إلى ذلك (الكوزي..المركوز)!
(4) الهياط في اللغة: الصياح والجلبة، وفي المعنى العام: فعل الشيء بزيادة غير معهودة على فاعله، بقصد الافتخار والبحث عن الإطراء والإعجاب..
لن أقول جديدا - بطبيعة الحال - عندما أطابق بين ممارسة المشهد السابق بذلك (الهياط) لغة واصطلاحا.. إنه (الهياط) الذي لا يبقي ولا يذر.. ويهيج بلا أثر..ولا تعرف فيه من بقي ومن عبر!!
(5) هؤلاء (الشيوخ الجدد) للقوم، لم يقرؤوا جيدا تاريخ أسلافهم من الرجال الذين كانوا عنوانا فاخرا للخلق الفاضل! فثمة سياقات (قبلية) كانت في الماضي شواهد خالصة للكرم الحقيقي و(الجدارة) التي تتحقق بها (الصدارة) حقيقة بلا استجداء.. فقد كان ابن حثلين وابن حميد وابن ربيعان وابن سويط وابن هذال وابن عريعر وابن غنيم نسقا مختلفا (بالكلية) عن هذه النسخ المقلدة بالزيف والإسراف والابتذال! فتلك الأسماء الخالدة داخل السياق (الشعبي) عرفوا (قيمتهم المستحقة) عند أنفسهم - أولا - فوجدوها حقيقة مرفوعة على الرايات المفعمة برائحة الفرسان النبلاء التي لا تزال (تفوح) بحسرة في زمن من عبث و(هياط)!
(6) ثمة فرق بينك وأنت تنادي الأماكن لـ(تتصدر) عليها، وأنت عندما تناديك الأماكن بناسها وأصدائها وحكاياتها، وتصدرك في مجالسها رمزا للرجولة (الحقة) والفعل (النبيل)!
(7) (عزمونا) و(عزمناهم).. ثم (عزمناهم) و(عزمونا).. ماذا بعد..؟!..إلى أين؟
(8) الأكثر إيلاما عندما تجد من ينهض بذلك (الهياط) المجرد من القيم الدينية والإنسانية العظيمة، هم من أبناء القبيلة، الذين يعملون في المؤسسات التعليمية والأكاديمية والثقافية بتجلياتها المتنوعة!
فلا تملك إلا أن تقول على طريقتنا (الله يخلف)!
وعلى طريقتهم (عليه العوض..)! وعلى كل الطرق (يا...خسارة)!
(الفروسية) الجديدة في الذهنية (المتوترة)!!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
