كثرت في الآونة الأخيرة دعوات الدمج بين المؤسسات الصحفية كحل لمشاكل الصحف الورقية، كانت آخرها دعوة الكاتب الصحفي محمد آل الشيخ الذي سطر مقترحه في تغريدة وجهها لوزير الإعلام، وثبّتها على معرّفه بتويتر، لتكون حاضرة لمن أراد الاستئناس بها لاحقا.

والحل كما يراه آل الشيخ يتمثل في دمج صحيفتي «الجزيرة والرياض» في صحيفة واحدة، وصحف «المدينة والبلاد ومكة والوطن» بصحيفة «عكاظ»، وبقاء صحيفة «اليوم» على حالها، فهي بحسب تغريدته «لديها من الاستثمارات ما هو كفيل باستمرار صدورها».

وختم مقترحه للوزير بالتركيز على الصحافة الالكترونية الحديثة.

ولو سلمنا أن الكاتب تجاهل ذكر صحف «الشرق» و«الحياة» و«سعودي جازيت» لأنها تحولت إلى الكترونية، رغم أنها ما زالت تعامل وفق قانون الصحف الورقية، إلا أني لم أفهم لماذا أغفل صحف «الشرق الأوسط» و«الاقتصادية» و«الرياضية» و«عرب نيوز»! هل لأنه لا يراها سعودية، وبالتالي لا يعنيه من قريب أو بعيد نجاحها أو فشلها؟ أم لأنها ناجحة، وبالتالي ليست معنية بكل أحاديث التحول الرقمي أو الدمج؟

بالنسبة للجزء الأول من السؤال، أجزم أني أمتلك الإجابة عنه، كوني شرفت بالعمل في بعض تلك الصحف لأكثر من 18 عاما، وأستطيع أن أؤكد أنها صحف سعودية خالصة 100%، ولديها التوجهات نفسها التي لدى الصحف المحلية، وتتقاسم معها الهموم عينها.

أما السؤال الثاني: فالأكيد أنها تمر بذات الظروف التي تعترض باقي الصحف، ولكن لأنها تحتكم في عملها لنظام تجاري استثماري يختلف كليا عن نظام المؤسسات الصحفية الذي تعمل بمقتضاه باقي الصحف، جعلها قادرة على معالجة ما يعترضها من معوقات بمرونة أكبر، وبالتالي ليست بحاجة لمشورة خارجية من أحد لتحقيق خيارات الدمج أو الإغلاق أو التحول الرقمي، متى ما كانت مؤشراتها الاستثمارية تشير إلى ذلك.

ولعل تجربة إدارتها في معالجة عثراتها يمكن رصدها في كيفية تخلصها من صحف «المسلمون» و«الصباحية» و«الظهيرة» و«عالم الرياضة» التي أصدرتها في وقت سابق وفق ظروف وتحديات معينة، وحققت معها نجاحات تجاوزت الحدود، ولكن عندما تحولت إلى عبء عليها، أو أن محتواها لم يعد يلائم احتياجات السوق، أو انتفت الحاجة إليها، لم تتردد في إغلاقها أو دمجها بأخرى، وركزت جهودها على مطبوعاتها المتبقية.

كذلك الحال مع ذراعها التوزيعي، عندما تحول من مركز ربحية إلى مركز تكلفة أغلقته غير مأسوف عليه، ودمجته مع منافستها الوحيدة في السوق «الشركة الوطنية للتوزيع» التي تعاني اليوم من مديونيات المؤسسات الصحفية عليها.

شخصيا أعتبر هذه الصحف «ترمومتر» الإعلام بالمملكة، وأن بقاءها دليل واضح على جدوى الصدور الورقي، وأنها متى ما قررت التخلي عن منصاتها الورقية بالكامل والاكتفاء بـ «الرقمية»، فالأكيد أنها وصلت لقناعة تامة بعدم جدوى وجودها في هذا السوق، وأن الفضاء الالكتروني بات مؤهلا للتحليق فيه بأمان. عندها سأدعو نفسي وباقي الصحف الأخرى للسير خلفها «عمياني».

لذا، وبعيدا عن التنظير، أقول إن أي خطوة مستقبلية ستتخذ في ظل نظام المؤسسات الصحفية الحالي، سواء كانت «الدمج» أو «التحول الرقمي»، تعني انضمام 50% من العاملين في مؤسستي اليمامة والجزيرة إلى طابور العاطلين عن العمل، و70% من منسوبي مؤسسات عكاظ والمدينة والبلاد ومكة وعسير للطابور نفسه!

وقفة:

لو سُئل العاملون في المجال الإعلامي اليوم، بماذا يتذكرون آخر 3 وزراء إعلام مروا بهم، لأجابوا: بطفرة القنوات الفضائية في عهد الدكتور عبدالعزيز خوجة، وإثقال كاهل المؤسسات الإعلامية بالمخالفات في فترة الدكتور عادل الطريفي، والسعي لحصول الصحف على دعم حكومي يليق بها إبّان تولي الدكتور عواد العواد، فبماذا يريد الوزير تركي الشبانة أن يتذكره الناس غدا؟ هل بربط اسمه بإغلاق الصحف في عهده أم بتصحيح مسارها؟

وتصحيح المسار - بالنظر للواقع - يحتاج لأمرين: زحزحة جبل الجليد «المديونيات الحكومية المتراكمة للصحف» بالتفاهم مع وزارة المالية، وعقد ورشة عمل كبرى برعاية وزارة الإعلام، تدعو إليها ممثلين من المشتغلين بمهنة الصحافة، لتقديم مسودة تنظيم جديد للمؤسسات الصحفية، يستند كثيرا على النظام الذي تعمل به صحيفة «الشرق الأوسط» وشقيقاتها، ليكون بديلا للنظام الحالي الذي أجزم أنه خلف الفوضى التي تعاني منها الصحف اليوم.

@Alnowaisir