أعتقد أنكم قد تعجبتم مثلي من تلك الجوازات التي لم تستطع نيران الانفجارات ولهيب القنابل أن تحرقها أو حتى تمس ورقة من ورقاتها! العجيب في الأمر أن هذا الحدث تكرر أكثر من مرة، ففي أحداث الحادي عشر من سبتمبر شاهد كل سكان الكرة الأرضية انهيار مبنى التجارة العالمية في نيويورك وذوبان الحديد وتفتت الأعمدة الخرسانية ولكن يا للعجب لقد وجدوا بين كل ذلك الحطام تسعة جوازات لم تمسها النار وكأنها مخلوق فضائي شفاف وتم نسبتها إلى انتحاريين سعوديين! وفي تفجيرات فرنسا التي حدثت في الأسبوع الماضي رأينا كيف أن تلك الجوازات قد نجت مرة أخرى من آثار التفجير وكل الحرائق التي حدثت ويعاد السيناريو بحذافيره ولكن هذه الجوازات الفولاذية نسبت هذه المرة إلى انتحاريين سوريين ومصريين.
والأعجب من هذا كله هو أن العالم المتحضر وغير المتحضر قد صدق هذه الترهات وآمن بها وبارك كل ما قامت به تلك الدول من تصرفات عدوانية ضد الدول الأخرى وكأن العالم في هذه الحالة قد أصيب بسحر الغفلة أو أصيب بلوثة غباء مزمنة جرته إلى تصديق كل هذه الأوهام والادعاءات.
ونحن هنا لا نسوغ للإرهاب مهما كان وأينما كان ومن أي جهة كانت، وهو بلا شك عمل بربري مستنكر ومن يقوم به أناس قد تجردوا من قيم الدين والإنسانية، ولكننا نتعجب هنا من هذا الاستغفال المتعمد الذي تمارسه تلك الدول المتحضرة ضد عقولنا وقدراتنا الذهنية وفرضها لأجندات تخدم مصالحها عبر تلك الادعاءات الكاذبة والغبية وإلا فكيف لجواز سفر مصنوع من الورق أن يقاوم حرارة الانفجارات والتي قد تصل إلى آلاف الدرجات المئوية ليجدوه سليما نظيفا مرتبا ولم تصله حتى ذرات الرماد المتطاير، أيعقل أن يحدث هذا في دول تدعي الحضارة والتمدن وهي التي اعتادت أن تخضع كل نظرية وكل قول للتجريب العلمي قبل اعتمادها أو الإعلان عنها!ورغم قبح الإرهاب وفداحة الجرم الذي يقوم به أولئك الإرهابيون، فإن إلصاق التهم بالآخرين بناء على انتماءاتهم العرقية أو الدينية استنادا إلى دلائل يشوبها كثير من الغرابة لهو أشد قبحا وأكثر جرما، لأن في ذلك تشويها متعمدا لسمعة عرق بأكمله أو أتباع ديانة بأكملها، مما قد يؤدي إلى جعل أتباع هذه الفئة أو تلك هدفا للإيذاء المتعمد والمضايقات المستمرة من قبل الجماعات المتطرفة في شتى أنحاء العالم كما هو الحال اليوم في أماكن متفرقة من أوروبا، ويصبح هذا الجواز الفولاذي الذي يوجد دائما إلى جوار الجثث المحترقة بمثابة جسر عبور لتمرير أجندات خاصة وللاعتداء على الحريات الشخصية ومصادرة حق الآخر في العيش وربما البقاء أيضا.