ثابت أن السلطة منها ما هو منحة ربانية إلهية بالأمر كسلطة الرسل عندما بعثهم الله تعالى طالما هم على قيد الحياة (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، وتلك السلطة ماضية بالانصياع دونما ريب (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، لكن سلطة الولاية العامة ربما دخلت تبعا إبان عهد الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبينما هي أيضا منفردة عن الرسالة والنبوة قد تكون كذلك من الله منّة (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا)، وقد تجتمع صراحة مع الرسالة كما في حال سليمان عليه السلام، والثابت في الشرع القرآني بأن السلطة في الولاية العامة مقصد شرعي (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)، وما جاء التفصيل بقوله (منكم) إلا لهكذا اتجاه، وتلك سلطة تتبع العدل والقيام بأمر الله تعالى حين تستخدم.

لكن سلطات أخرى كما في النكاح (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح،) وكما في التزويج (فانكحوهن بإذن أهلهن) هي سلطة ثابتة لأمر خاص، ليست مستقلة التصرف دون تفعيل مجريات الإذن الخاص الواجب لصاحب الشأن، وثابت أن الشارع منح سلطة للبعض حين القيام على الوصاية على الأيتام، وأعطى ربنا سلطة للوالدين للتربية مع الوصية حين وصاهما بهم ووصاهم بهما جزاء إحسان، ومن ثبات القرآن في مسألة السلطة أن جعلها مرتبطة بالخير وما ينفع الناس (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم).

ومع المتغيرات تدور مآلات الشرع وتطبيقات الأهداف وفق الحال (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، وحينها منبع السلطة قدري الحدوث وإن كان منوطا بالوجوب الشرعي في الاتخاذ والولاية العامة، لكن دوام السلطة العامة بالعدل والإنصاف والشورى والعمل للناس وما يصلح حالهم في شتى الميادين، ليتغير أداء صاحب السلطة وفق حال من هو سلطان عليهم، وإلا كانت السلطة ذات مشادة وضرر بيّن، إذ في عودة استقرارها يهلك الخلق وتضيع السنون.

والسلطات الأخرى دون الولاية العامة ما لم تتغير النظرة الفقهية تجاهها في المجال الاجتماعي بالإلزام بمقصد الشرع الذي لا يسلط أحدا على أحد لهضم حقوقه، فإن المجتمعات المسلمة ستظل في وهم سلطات لأفراد وما هي لهم بحق، يعنت بها كثير من الناس.

ومن فهم التغير في الحال والأوضاع والأفكار دار بسلطته المعنوية مع دورانها في جهد الباحث عن مصلحة حقيقية ملموسة لا تتعدى على حقوق الإنسان مهما كان، وما سلطة لشخص لوصف عارض أو أصلي هو فيه لذاته، إنما لاعتبار عمل يقوم به هو واجب عليه ليس له فيه منة على الآخر.

ومن يفهم نصوص الشرع ورأسها (القرآن) يستوعب رضا عظيما في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ونساء وأطفالا بما كان عليه حالهم، وهم يمتثلون لأمر الله ورسوله فيهم وفي تعاملهم مع بعضهم البعض من غير ظلم ولا اختلاف تطبيق.

ومن تغير الأمور المشاعة لو استرضى قوم أو مجتمع سلطة جماعية بشورى وتبادل مواقع، فهو لهم أمر مشروع لا جدال فيه، فالغاية أن يعيش المسلم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه على الأقل، فلقد قال ربي (ما فرطنا في الكتاب من شيء).

albabamohamad@