لن أدعي في مقالي هذا عبقرية فهم أحاجي سوريا، ولكني سأجمع بعض الصور المطروحة على الساحة التاريخية والسياسية، منذ زوال الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، ووصولا لقيام الجمهورية السورية بنسختها الأسدية الأولى بعد تساقط عدد ضخم من الثائرين كانوا يتبادلون الجلوس والطرد السريع عن الكرسي الرئاسي بخيانات، وخيانات للخيانات.
الأسد الأب استحلى الأحجية، فمكن حزب البعث من الإطباق على أنفاس الأحزاب المنافسة، وشطب الأفكار والمعتقدات المختلفة، وحكم الشعب السوري، بالنار والحديد والشبيحة، وصولا للكيماوي؛ كل ذلك والحدود السورية الملتهبة مع العدو الصهيوني تنتظر مقاومة لم يخترها الأسد حتى بعد فقد جزء عزيز من أرض الجولان، فتهادن مع العدو، ولم يجرح خاطر إسرائيل وحُماتها طوال سنوات حكمه الطويل.
ولم يتغير حال الرضا طوال فترة حكم الشبل الابن، والذي كانت قواته بردا وسلاما على إسرائيل، وكانت مطرقة نار وسيطرة واحتلال للقطر اللبناني بدعوى المقاومة.
حكايات لها العجب، وكان لا بد من ضوابط للأمور المقلوبة طوال الأربعة عقود الماضية، فمن غير المعقول ألا تكون هنالك معاهدات تنظيمية، ولو من تحت الأسلاك الشائكة مع العدو الإسرائيلي، ومعاهدات سرية أخرى بالحماية والتسليح من الجانب الروسي، ولا يمكن أن يكون الأمر بسيطا، فلا ينال الأسديين معونات دول الخليج، ودعمهم، بمعاهدات تختلف في النوع والطعم والرائحة، والنوايا.
غابة من المعاهدات زرعت بالخفاء، وكان النظام الأسدي والبعث هم المستفيدون الوحيدون منها وحتى الآن؛ بينما دفع الشعب السوري الثمن لتلك المعاهدات بمقتل مئات الآلاف من الأنفس البريئة، وسحق ديارهم، وتهجيرهم بالملايين، كما سمحت خفايا بعض تلك المعاهدات لدخول شذاذ وصعاليك الأرض لسوريا، والمشاركة في تشتيت الواقع، وتمييع الصور، وتصعيب الأحجية على من يريد الفهم، حتى ولو كان بذاته طرفا في المعاهدات، فيظل عاجزا عن معرفة حدود وعمق وخفاء المتداخلين معه مهما كبر دوره وحجمه بينهم.
إيران كانت تلعب بذكاء منذ بدايات تكوين معاهدات حزب الله، والذي ارتدى الشروال والطربوش، وادعى المقاومة، إلا أنه ظل فارسي النوايا، فكان يناور ويخلط الأوراق، ليمنح إيران عضودا أمريكية، زيادة على السواعد السوفيتية، والأكتاف الصينية، مما يجعل الأحجية تزداد غموضا يوما بعد يوم.
أحداث العراق كانت مخلخلة للوضع السوري، وكان لا بد من التأثر، والتأثير، وزيادة المعاهدات الفرعية بعد تشتت بعث العراق، وإحباطه، ووجود داعش، التي آزرته، وجعلت القطر العراقي محرقة لكل أمن وسلام، خصوصا على حدود سوريا، وتركيا.
تركيا لم تكن من المبادرين بالمعاهدات، كونها غارقة في هموم وحدتها بالأكراد، والعراق لا يساعدها، والنحل الأسود الداعشي يدمي خاصرتها، مما جعلها تدخل لعبة المعاهدات متأخرة.
الدول العربية، لم تكن طوال غفوتها إلا مزيدا من معاهدات النزف المالي الخليجي، والذي فقد تأثيره، بتزايد الطروحات الذهبية، وحرائق الأوراق.
قمة التعقيد، فالمعاهدات تتداخل، وتلتقي وتتعارض عند بعض الزوايا، ولكن إسرائيل لا بد أن تبقى، وبيع السلاح الروسي يجب أن يستمر، والكل بما فيهم أمريكا، يجب أن يضحوا، وأن يهاودوا، وأن يغضوا الطرف، حتى وإن طالب أوباما بزوال الأسد بمعاهدة جديدة.
سوريا.. معاهدات الأحاجي!
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
