تتعرض المؤسسات الثقافية لضغوطات واعتداءات متكررة، من فئة محتسبي مواقع التواصل، وبعض رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ازدادت وتيرتها مؤخرا، لأنها باتت توثق وتنشر عبر الانترنت، فمحتسبو الطائف يثبتون لمحتسبي الرياض أنهم نشيطون، ومحتسبو جدة يثبتون ذلك لمحتسبي الدمام، وهكذا دواليك، لكن الكارثة الحقيقية حينما يروج المغرضون للأكاذيب حول المؤسسات الثقافية ومخالفتها للوائح العمل الثقافي، فينبري أعضاء من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليثبتوا لكل المحتسبين أنهم وقفوا سدا منيعا في وجه الثقافة والحياة والنور.
تعرض نادي الطائف لضغوط رهيبة وتهديدات موثقة إبان تنظيمه لمؤتمر الشعر الخليجي الأول، وحدثت خروقات عدة، لكن الجهات الأمنية سيطرت على الموقف، ثم تلاه تقرير رفعته هيئة «حي الشرقية» دون سؤال النادي إلى معالي محافظ الطائف بضرورة إيقاف دورة للدكتور عبدالعزيز الطلحي عن المخارج الصوتية، بحجة أن فضيلة رئيس الهيئة قرأ واو العطف بمعنى «واو المعية» في إعلان النادي عن المحاضرة، وظن ـ وليس كل الظن إثم ـ أن المحاضر والمحاضرة سيقدمان الدورة معا من الصالة الرجالية، وكاد جزمهم أن يوقع النادي في حرج إيقاف الفعالية لولا تفهم رجال الأمن للأمر بعد الوقوف والمعاينة.
وذات المركز أيضا لأنه لم يعاقب؛ «هيئة حي الشرقية» تداهم أدبي الطائف يوم الاثنين الماضي، على ذات القراءة التوجسية العوجاء لإعلان النادي، إذ قرأ محتسبون مغرضون إعلان أمسية الشاعرة هدى الدغفق والشاعر أمين العصري فنشروا في «تويتر» عن اختلاط في أدبي الطائف، فانهالت الرسائل على جوال رئيس النادي، وكان ينفي الأمر بالرسائل أو بالاتصال، حتى خشي أن ترفع الهيئة أيضا بقطعية الظنون لمعالي المحافظ، فهاتفه عصر يوم الأمسية وأخبره بتفاصيل الموضوع، فوجه المحافظ إلى استمرار النادي في عمله ما دامت الأمسية مفسوحة وتجري وفق الضوابط التنظيمية، لكن هيهات أن يعجب هذا أعضاء «هيئة حي الشرقية»، فما إن بدأت الأمسية حتى داهموا النادي دون مستندات نظامية وكأنه وكر من أوكار الرذيلة.
إلى متى والأندية الأدبية والمؤسسات الثقافية عامة تحت رحمة هذه الجهات المحاربة للثقافة؟ وإلى متى لا تسن قوانين صارمة في حق أي متجاوز بصفة غير نظامية على سيادة تلك المؤسسات واستقلاليتها؟كلنا نعلم أن معظم رجال الهيئة خاصة ينطلقون من حكم مسبق باتهام وفساد المؤسسات الثقافية والقائمين عليها، فنشروا هذه الثقافة في المجتمع، حتى صار كثير من أبناء الوطن يخشون الوقوع في إثم حضور فعاليات هذه المؤسسات، وأتذكر في هذا الصدد حضور خمسة محتسبين يوما إلى النادي دون فعالية حين اجتمعوا بنا في جلسة مناصحة، لم يطل تبادل ابتساماتها حين ظهرت وجوههم الحقيقية المتجهمة فسفّهوا أحلامنا، واتهمونا بهشاشة الثقافة وسوء المسعى والمصير، ولم يتركوا شاردة ولا واردة تستفز الحجر إلا تفوّهوا بها، فظهر ما يكنُّ هؤلاء الناس للمؤسسات الثقافية، واعتقادهم الجازم بمحاربتها للدين وللعادات، وأنها ثغور سوف تؤتى الأمة من قِبَلِها.
إن النظرة المشوّهة إلى المؤسسات الثقافية بهذه الطريقة مستمرة، وموغلة في أعماق المجتمع، ولا تستغرب حين يعلم أحدهم انتسابك لأي مؤسسة ثقافية ألّا يفوّت سؤالك بسخرية عن «الحريم» والاختلاط، في اختزال مشوّه للثقافة والأدب والوعي، وها هي المؤسسات الثقافية اليوم تعاني أشد المعاناة من إبعاد المجتمع عنها، وهجر مناشطها ومكتباتها، وحتى إصداراتها، والجهات الرسمية صامتة لا تحرك ساكنا.
لسنا في بلاد لا تحترم الثقافة، بل خادم الحرمين الشريفين بنفسه يهتم بالثقافة والمثقفين والدليل اجتماعه بهم قبل شهر، وكلمته الضافية إليهم، وتطرقه ـ يحفظه الله ـ لأهمية جهودهم في خدمة وطنهم والذود عنه، لكن ربما لا يستطيع بعض المسؤولين قراءة هذه المبادرة الملكية الكريمة، ليسير في ركب النور، ويؤدي دوره الحقيقي في حماية المؤسسات الثقافية، وكف أيدي أشباح الظلام عنها، أما الألسنة فأقلام المثقفين كفيلة بإسكاتها بالحوار والمنطق والبرهان.
أناشد وزارة الداخلية، ووزارة الثقافة والإعلام بضرورة التحرك الحازم الذي يعيد للمؤسسات الثقافية دورها في تنمية المجتمع، وهيبتها سواء أمام الجهات الأخرى أم الأفراد، فلا يهم إن كان تدخل الجهات والأفراد عبر القنوات النظامية والقانونية بإجراءاتها المعروفة، لكن المؤسف أن كل من رغب الشهرة ارتجل فعلا في مؤسسة ثقافية ليحصل على لقب «أسد السنة» في تويتر، في تشويه متعمد لثقافة الوطن، واتهام الناس دون وجه حق ولا تثبّت!
الثقافة في مهب العبث!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
