كان يوم الاثنين الماضي حزيناً منذ الصباح، فخبر العدوان الإرهابي على حرس الحدود بعرعر، منثور في الأسى الذي يفيض في تغريدات تويتر، وفي نشرات الأخبار، ثم في وجوه الزملاء في الجامعة التي كانت تنطق بالألم والكدر، من دون أن يتفوهوا بالكلام، وحين يتفوهون بالكلمات لم تكن لتزيد شيئاً على ما تحكيه ملامح صدمتهم!العدوان الإرهابي أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من شباب الوطن؛ شباب نزفوا حياتهم دفاعاً عنا، وكل اسم منهم هو كل مواطن على امتداد الوطن.
هم نحن جميعاً، هم الشهادة التي تصاعدت بها أرواحهم رهاناً على وعد المستقبل وومضة البشارة، والحياة التي تشع في الأطفال وهم يسعون إلى مدارسهم.
هم نحن الذين ننشد وطناً آمناً كريماً يتعايش مع العالم ويعايشه.
لسنا ملائكة ولسنا شياطين، لنا أطفال وآباء وأمهات، لنا نجاحاتنا وإخفاقاتنا، أحلامنا وإحباطاتنا، نحب ونريد أن نكون محبوبين، نقرأ القرآن فترق قلوبنا للإنسانية، ونصلي فنزداد حباً للبشر وعطفاً عليهم.
تُرَى، بماذا تختلف عنا أيها الإرهابي؟! أليست لديك طفلة تنتظر عودتها من المدرسة؟! أو طفل تحلم أن يكون طبيباً أو مهندساً أو فقيهاً.
.
؟! أو حلماً بطفل وطفلة؟! هل قبَّلت جبين أمك؟! أو مسحت على رأس يتيم؟! قل لي: من جفَّف عاطفتك الإنسانية؟! من أفقدك القدرة على أن تفكِّر مستقلاً عن غيرك؟! أن تتساءل عن الحقيقة؟ وتبحث عنها؟! أن تشك لتتيقن؟! وترتاب لتثق؟! من حوَّلك إلى آلة قاتلة؟! هل -حقاً- تريد أن تفرض على الناس إيماناً لا تراه مكتملاً أو لا تراه بالمطلق في ضحاياك؟! أي قناعة أو صدقية تجدها في إيمان تفرضه بالقوة؟! ألا تفترض أن يمارس إخوانك الإرهابيون عليك، حين يرون ذات لحظة أنك غال أو جاف في الدين، ما تمارسه أنت على الناس من فرض؟!الحديث عن الإرهاب في المملكة بقصد التحليل له أو معالجته، هو -في بعض ما أقرأ أو أشاهد- تبرير للإرهاب وتعمية عليه: الذين يرجعون الإرهاب إلى الغضبة للدين والغيرة عليه، من «التفلُّت» من عقاله، و»الانحراف» عن سبيله، في الصحافة والقنوات التلفزيونية والآراء والقرارات التي وراءها من يسمونهم «الليبراليين»، يبررون -بتعليلهم هذا- للإرهاب ويحرِّضون عليه، ولا يحللونه أو يعالجونه.
وعلتهم هذه تستغل الإرهاب لفرض هيمنتهم.
والذين يحيلون الإرهاب على أجندات استخباراتية إقليمية ودولية، يعمُّون عليه، أي على ما يمثِّل فضاء حيوياً له، وهي الأحادية المذهبية والفقهية، والكراهية للآخر، والتشدد في أمور الخلاف.
في صغري، رأيت كهلاً يضرب ثوره الذي استعصى عليه في حرث المزرعة حتى سال دم الثور، ورأيت زوجة الكهل تهرول مولولة لحماية الثور، فتصب غضبها على الكهل، وتسائله على سبيل الإنكار: «أنت ما تؤمن بالله؟!» ووقر في قلبي من هذه الحادثة أن الإيمان إنسانية غامرة، وتعاطف حتى مع البهائم.
وإني لأتساءل عند كل حادثة إرهابية تنتسب زوراً إلى الدين: أي إيمان يخالط أنفاس المتوحشين؟!