أحاول دوما أن أجد شمّاعة أعلّق عليها نيّتي في الاستغناء عن بعض ملابسي القديمة بأي طريقة كانت بعيدا عن إهدار الوقت والجهد في التنظير والفلسفة التي لا نرى أشعتها سوى في أفكار عزّت على التطبيق في مجتمعاتنا، كإعادة تدوير المواد أو حتى التصدّق بها على الفقراء في غير بلادنا التي لا تعرف صدقة إلا بالنّقد.
وفي تلك المحاولات أبقى وتبقى ملابسي فوق رفوف الخزانات تتنقّل من أعلى لأسفل أو من اليمين لليسار كلّما زاحمتها ملابس جديدة وأخذت مكانها لتشعرها بأن موعد ذهابها لأرشيف المنزل بات قريبا، ولا يعني لي شيئا إن كانت تلك الملابس في غاية الجاهزية للخدمة دون تقصير أو فوضوية، فالحكم عليها بالتقاعد عادة قَسْرية.
أعود لنفسي متذكّرا دور تلك الملابس في ستري وتدفئتي واحتضان جسدي رغم فظاعة وغلظة تعاملي معها شدّا وجذبا وعدم رحمتي بها وأنا أتركها بين يديّ من يغسلها في دورات مكوكيّة بآلات كهربائيّة لا تعرف الرّحمة أو بخار يخنق الأحياء إن استحكم على أنوفهم وأعينهم أو نارٍ محرقة تكوى بها كلّ نواحي ذلك اللباس بلا هوادة ولا تفرقة، لتبدو أنضرَ وهي تتمدّد ألما وتتحمّل ذلك لأجل أناقتي.
وفي كلّ هذا الماضي المزهر والمشرّف لها لم تجد ملابسي القديمة فرصة لتدافع عن نفسها بأن تعود لجسدي مرة ثانية بعد أن استنفدت مرّات الذهاب والرجعة مصدومة بهذا المصير الغريب، لكنّ أملها، كباقي آمال بني جنسها من ملابس خلق الله أن تشعر بقيمتها وهي تلفّ جسدا آخر غير جسدي النّاكر للجميل، لم يغب عن خاطرها وهي تحلم به داخل سجون الدواليب المغلقة حتّى حين.
أخاطب ملابسي اليوم بعذر اهتديت إليه أخيرا وأقول لها: كُفّي عن هذا الاحترام والتقدير لي والمطاوعة الدّائمة لرغبتي والهدوء المخيف وأنتِ تتعاملين معي والأدب الجمّ في وقوفك وقوقعتك، كُفّي عن الجودة والمصداقيّة والتّماسك ووحدة اللون والخيوط والحواشي والأطراف، كُفي عن التّوازن الدّائم مع تفاصيل جسدي وتناغمك الممل مع مقاساتي وقدري وطولي ووزني، كُفّي عن هذا حتّى أستطيع قتلك.
يا أيتها الملابس الشتوية والصيفية التي ابتليت بك رغما عنّي ولم أتوقّع أنّ لك من الصّبر والاحتمال مثل الذي تُظهرينه لي في كلّ وقت، غَيّري من نمط حيويّتك حتّى أجدَ مبرّرا لرميك، غيّري من طريقة ديمومتك حتّى أجد مبرّرا لنفيك، تَمزّقي، تَحوّلي، ضِيقي، اقْصري، مُوتي فسأبكي عليك لكنّني الآن أبكي منك.
ورغم هذا الجلد للذّات الذي أمارسه مع ملابسي القديمة، إلا أنّ أجواء مناطقنا وطبيعة ملابسنا الذكوريّة هي التي شجّعت هذا العمر الديناصوري للملابس العتيقة، وهي التي وفرت بيئة مناسبة لتكاثرها وتوالدها في كلّ المواسم والأحوال والشهور دون مراعاتها لجيوبنا ولا لأمزجتنا التي تحبّ التغيير والتبديل، ونحنُ أيضا ساهمنا في هذا العمر بالمحافظة عليها أشدّ أنواع المحافظة ونحن نرتديها ولا نُمارس أيّ فعل شنيع أو بريء بها، فلا عراك ولا رياضة ولا تسكّع بجانب جدار أو عمود كهرباء.
والمصيبة العظمى أنك عندما تصل لسنّ مثل سنّ الثبات الذي أنا فيه لن تطاوعك ملابسك بأن تتبدّل أو تتغيّر، إلا إذا تبدّلت أنت وزنا أو طولا، وهذا الأمر أيقنتُ أخيرا أنه من أكثر المستحيلات استحالة، فالخيارات تتقلّص أمامك في التخلّص من ملابسك القديمة دون مبرّر معقول أو أنّك إن لم تتوقّف عن عادة الشّراء والتجديد ستجد بيتك ضاقَ من وفرة الملابس القديمة التي لو تجمّعت وتشابكت من الممكن أن تصل بك إلى ناطحات السّحاب في لندن.
ورحمَ الله زمانا كانت فيه كسوتان، واحدة للصيف لا تكاد تذبُل وترقّ وتضعف وتتمزّق حتى تأخذ محلّها كسوة للشّتاء لن تغادر محلّها إلا بعد أن تأكل من الأجساد ويأكل الدهر منها.