هل نحن في مرحلة قفز «الكتاب» و»الصحفيين» من «الصحافة الورقية»؟

هل نحن في عصر انقراض «مقالة الرأي»؟

هل حقا لم يعد للقارئ وجود؟ أم إن الصحف لم تعد قادرة على تسويق مادتها الصحفية بشكل مناسب للزمن وأجياله ومتغيرات الحياة؟

كم كاتبا وصحفيا اختفوا؟ وهل يفقدهم القارئ الذي كان يبدأ يومه بحروفهم وأفكارهم؟ وهل تفقدهم صحفهم التي كانوا أعمدة في صنعتها اليومية؟

• كُتاب كثر أغلقوا أقلامهم

وتوقفت مقالاتهم في الصحافة الورقية قبل أن ينضب حبرها، منهم من خرج بصمت، ومنهم من أعلن ذلك مثل الكاتب «فهد عامر الأحمدي» في مارس 2019 بعد 28 عاما من الكتابة الصحفية.

• وآخر المغادرين الكاتب والطبيب «جاسر الحربش» بعدما أثرى الرأي العام بمقالاته على مدى 10 سنوات متواصلة، ثم أعلن خروجه من «الزاوية» التي كتب مدخلها عام 2010، مؤكدا أنه دخلها طائعا بدافع وجوب الكتابة التنويرية في ذلك الزمن الذي بدأت فيه العربة الوطنية تتحرك إلى الأمام، فكان عنوان زاويته «إلى الأمام»، وخرج منها طائعا «مخليا المكان والاسم برسم التقبيل لمن يريد ملأهما وبدون خلو قلم»، وذلك لسببين هما:

1. أن العربة الوطنية انطلقت - اليوم - بسرعة فائقة نحو الأمام، ولم تعد كتابات الرأي على النمط القديم تناسب الزمن ولا احتياجات المرحلة.

2. أن قراء ذلك النوع النمطي من الكتابات في تناقص سريع، وشباب اليوم لم يعد لهم النفس الكافي للقراءات الطويلة، ولا تجذبهم الانتقائية والتأنق في أساليب الكتابة، لأنهم يريدون المختصر وقد وجدوا ملاذاتهم ومناكفاتهم في حوارات التواصل الاجتماعي.

• على مدى 10 سنوات كان الدكتور جاسر الحربش جادا وحريصا على الكتابة بانتظام، حتى لو منع مقاله من النشر، كان يناكف رئيس تحرير صحيفته «الجزيرة»، فعدة مرات يكتب فيها عن مقاله الذي منع من النشر وينتقد صحيفته أحيانا ويبرر لها أحيانا، أتذكر أنه نشر مقالة بعنوان «جراحة تجميلية لمقال مرفوض» مستلهما مهمة جراح التجميل مع فتاة مؤمنة بجمالها لكن أهلها لهم رأي آخر، كما قال، ثم مرر فكرة المقال المرفوض بطريقة قابلة للنشر دون أن يتحاشى الإعلان عن رفض مقاله السابق.

• ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتوقف فيها «الحربش» عن كتابة مقالات الرأي فقد ذكر في أول مقال بعد عودته للكتابة في 2010 أنه كان يكتب سابقا زاوية بعنوان «أفكار مبحوحة»، وكان يقول عن تلك الفترة «لم تكن الظروف آنذاك تسمح بأفكار تقال بالفم المليان؛ فاكتفيت بالأفكار المبحوحة كأضعف الإيمان». ثم أوقفه الإحباط حين سيطرت على الحياة بكل صورها وشؤونها شوفينية الجهل، وحجبت الخفافيش أنوار العقل والأفكار، كما يقول.

• أما الآن فقد أوقفه عدم وجود القارئ، ويؤكد ذلك بقوله «كان الكاتب مثلي يتفاعل مع تعليقات القراء ويفرح إذا كثر عددهم وينقبض مزاجه إذا صغر العدد، واليوم تمر عشرات المقالات دون تعليق واحد»، وبناء على ذلك قال في خاتمة مقالته «أستودعكم الله».

(بين قوسين)

• عن حال الصحافة يقول جاسر الحربش: الإشكالية ليست في المادة الناقلة فقط، وإنما أيضا في وسائل ومسالك التواصل بين الأجيال، وهذه تخضع لعوامل السرعة وطرق التفكير ومفاهيم الحياة بشروط الأزمنة الجديدة في كل شيء ثم المغادرة بسرعة إلى الجديد الجديد.

fwz14@