كثيرا ما تستوقفني الآيات الكريمة التي يسوقها المولى عز وجل في كتابه العظيم ليشير من خلالها إلى مشاركة الدواب والطيور لبني البشر في أمورهم الحياتية، وأن تلك الكائنات اللا آدمية وغير العاقلة تكون مصدر إلهام ونقل للمعرفة وعون ومساعدة لمن يملك العقل والفصل والتمييز، فالمخلوق الطيني الذي خلقه البارئ تبارك وتعالى وصوره بيديه وهو آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه وأمر ملائكته ليسجدوا له تشريفا وتكريما كونه مخلوقا مغايرا لباقي المخلوقات الأخرى بسبب تميزه بالتفكر والتدبر. فزوده بوعاء معرفي معقد في رأسه وجهزه بآليات عصبية وفكرية ملموسة وغير ملموسة تجري جميع العمليات العقلية. ومن ثم علمه الأسماء بمعانيها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كلها دقها وجلها، وكل ما يخطر على بالنا وما لم يخطر من معلومات، حتى يتمكن من آلية الخزن والاسترجاع المعلوماتي للتعامل مع مجريات الحياة القادمة ليتواءم وينسجم مع كل شيء بعد بعثه عليه السلام، ليكون رمزا بشريا عابدا لله وموحدا له ومعمرا للأرض وحاملا لرسالة إلهية عظيمة لأبنائه ومن سيعقبهم من ذريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» سورة البقرة 30-31.

ومن وجهة نظري أرى أن العليم الخبير بعلمه القديم وسلطانه العظيم مكن آدم في الأساس ومن بعده زوجه وذريته بأربع مكونات رئيسة متمثلة في الآتي:

أولا: الجزء الخلقي من حيث التشريح الجسدي وفسيولوجيته والإبداع الظاهري لأول مخلوق بشري.

ثانيا: الجزء الإيماني من نفخ الروح الإلهية فيه، وتشريفه بسجود الملائكة له، وتسميته بآدم.

ثالثا: الجزء المعلوماتي بتعليمه كل الأسماء.

رابعا: الجزء المعرفي،

وهو ما أردت تسليط الضوء عليه، فالمعلومات تلقاها آدم سلفا ومباشرة من ربه، أما الجزء المعرفي فيعتمد على الخبرة والمشاهدة، واللتين يجري تلقيهما من خلال المشاركة البشرية، كمشاركة حواء لاحقا مع آدم، ومن بعدهما أبناؤهما، والمخلوقات الأخرى كالدواب والطيور، والبشر يتقاسمون مع الدواب والطيور خمسة مشتركات رئيسة، هي أن خالقهم واحد، ورازقهم واحد، ومميتهم واحد، وباعثهم واحد، ومحاسبتهم بالاقتصاص في الآخرة بعد النشور واحد. فبنو آدم أمم، وهي أمم أيضا، وإلى ربهم يرجعون.

ويعد أول نقل معرفي دنيوي حدث من الطير للبشر حين قتل هابيل أخاه قابيل، فبعث الله له غرابا ليعرفه كيف يواري سوءة أخيه، وطائر الهدهد أيضا عندما استعان به سليمان عليه السلام لنقل الأخبار وتفقد أحوال الرعية، وعندما استفادت البشرية حديثا أيضا من شكل الطائر في جناحيه ورأسه وذيله لتصميم هيكل الطائرة العصرية يعد ذلك نقلة نوعية معرفية واقتصادية غير مسبوقة، وطائر الخفاش أو الوطواط كان ملهما أساسيا في صناعة جهاز التقاط الموجات الاهتزازية «الرادار»، وقصة النملة أيضا مع سيدنا سليمان حينما أنصت وانبهر لحكمتها وتبسم ضاحكا من جوابها، فالنمل يعلمنا الصبر والمثابرة والجد والاجتهاد والعمل بروح الفريق الواحد، والحية التي ساندت نبي الله موسى بأمر ربها ولقفت ما كانوا يأفكون وبسببها آمن السحرة، والحوت في شكله وقدراته بالتقامه ليونس عليه السلام، والذي ألهم العلماء لاحقا لصناعة الغواصات البحرية، وتلك النحلة التي نقلت استراتيجية منح الأدوار التنظيمية بين الرئيس والمرؤوسين في بناء الخلية، وطريقة تقسيم وتوزيع المكاتب الإدارية حديثا، وحشرة اليعسوب التي كانت فكرة لصناعة الطوافة «طائرة الهليكوبتر»، وتلك البقرة التي كان ذبحها سببا في إظهار قاتل الغلام من بني إسرائيل.

قال تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) سورة الأنعام 38.

فسبحان من خلقها أمما أمثالكم لتنمية معارفكم.

@Yos123Omar