عندما أعود 10 سنوات للوراء، أتساءل: ماذا لو لم أدخل التخصص الجامعي الذي دخلته؟ ما الذي سيحدث؟ وهل سأحقق ما حققته الآن؟ وأعود بالتفكير لأجد خالدا ذا الـ 18 سنة، التائه الذي يود لو أن شخصا يرشده أو أن يسمع صوتا خفيا يهمس له عن التخصصات والمهارات التي ينبغي له اكتسابها، بل وإتقانها للمنافسة بسوق العمل والحصول على فرص أفضل. هذه التساؤلات لم تعد تأتيني عندما أكون في زحمة الدائري بالرياض فحسب، بل أصبحت تلاحقني حتى في أوقات لا تخطر على البال.

ولعل جزءا صغيرا مني يحب أن يرى نتيجة «ماذا لو»، لذا دعني أكن ذاك الصوت الذي يهمس لك في أذنك عن المهارات والتخصصات التي بإمكانك سلوكها للوصول لإنجازات تتماشى مع رغبتك، وطموحك، وما يتطلبه سوق العمل.

رؤية 2030 والصناعة الرابعة أو التحول الرقمي (حتى لا نضعها بقالب صناعي بحت)، تفتح المجال لقطاعات عدة، هذه القطاعات تتطلب مهارات وتخصصات لم تكن ضمن خيارات عديد من الطلاب، ناهيك عما يجري تدريسه بالجامعات.

تشير بعض الدراسات التي أجريت على أكثر من 2000 شركة إلى أن 5% من الوظائف المتاحة لدى هذه الشركات بالإمكان شغرها بالكادر البشري، ولكن ماذا عن الـ 95% المتبقية؟ تذكر الدراسة أن التقنية بإمكانها تغطية 95% منها، دون الحاجة لوجود كادر بشري في المستقبل القريب! هذه الأرقام المخيفة بظاهرها تبين ضرورة ربط احتياج السوق من مهارات مع ما يجري تدريسه داخل الجامعات أو حتى الفئات السنية المبكرة. لذا دعني أكن صادقا معك، لن أكون ذاك الصوت الذي يهمس بما كان يحتاجه خالد قبل 10 سنوات، بل بما أنت تحتاجه من مهارات حاليا وحتى 10 سنوات مقبلة.

تحليل البيانات الضخمة وتعلم الآلة والذكاء الاصطناعي بكل اختصاصاتها أصبحت من المهارات الجذابة لسوق العمل، والتي تتماشى مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة. تخصصات الكمبيوتر الدقيقة والبرمجة والأمن السيبراني أيضا، أصبحت متطلبا، سواء بالقطاع العام أو القطاع الخاص، فلو أخذنا بعين الاعتبار عديدا من مبادرات رؤية 2030 نجد أن الرقمنة جزء أساس منها، لذا الأمن السيبراني أصبح ضرورة لتوفير الحماية. ولعلنا نجد أمثلة واقعية لتوجهات الدولة في هذا المجال، سنجد وجود هيئة وطنية تتعلق بالأمن السيبراني، إضافة لوجود اتحاد للأمن السيبراني والبرمجة، والذي يعمل بنشاط لتعزيز هذه المهارات عند الجيل الجديد.

نحن نتحدث عن احتياج السوق وتغيراته المقبلة، لكن دعنا ننظر للجانب الآخر وكأنه بحر، لذا فلننظر إلى ما سيهيئك للسباحة في هذا البحر، إنها المهارات والتعليم.

نأمل من وزارة التعليم مواكبة احتياج السوق، وذلك بتأهيل الجيل الناشئ من المراحل السنية المبكرة، ولأننا أصبحنا نعيش في عالم مرتبط مع ببعضه أكثر من ذي قبل، فقد أصبحت نوعية المهارات المطلوبة لا تخص فقط البلد، بل العالم أجمع أيضا، لذا ما يتم استثماره في الطالب السعودي هو بلا شك قد يجري تصديره كمهارة وإضافة لأي بلد آخر.

وبإمكاننا الاطلاع على عديد من التجارب للدول المتقدمة علميا، فعلى سبيل المثال لا الحصر الصين والهند وسنغافورة والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها، جميعها أطلقت مبادراتها لتقويم المناهج التعليمية وجعلها مواكبة لما تتطلبه وتحتاجه الثورة الصناعية الرابعة.

من أين تبدأ: الآن وقد أصبحت لديك الصورة واضحة عن المهارات المطلوبة، دعني أخبرك من أين يمكن أن تبدأ: هناك عديد من الجهات

التي أطلقت مبادرات تحفيزية للشباب لتعلم عدد من هذه المهارات، لدينا مؤسسة مسك الخيرية التي تقدم برامج عديدة بالتعاون مع جهات تعليمية مميزة، موجهة للشاب السعودي. وكذلك هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي طرحت عددا من المبادرات التوعوية، وإحداها باسم

«ذكاء» التي تعد مخصصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لتمكينها في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

لدينا عديد من البرامج التي تساعد الشباب على اكتساب مثل هذه المهارات، وهذا ما يسهل على وزارة التعليم معرفة الاحتياج من خلال النتائج الملموسة وكيفية تطوير المحتوى بما يتناسب مع الشرائح المختلفة للمجتمع.

@KhaledSulami