الرسائل إلى الحكام أو الولاة أو الوزراء عادة قديمة ودارجة في الثقافة العربية، ولم تندثر إلى الآن، لكن دورها تضاءل كثيرا مع تطور وسائل الاتصال الحديثة، لكنني سأعيدها إلى الظهور إلى سابق عهدها برسالة عامة ومباشرة لوزير الاقتصاد والتخطيط المهندس عادل فقيه.
يا معالي الوزير، بعد أكثر من تسع خطط تنموية، وعلى مدار أكثر من 45 عاما مضت لم تحقق هذه الخطط الأهداف الرئيسة منها، ولم يخرج اقتصادنا من قبضة أسعار النفط وتقلباته، فمنذ أول خطة خمسية للتنمية أعدت في 1970، وما تلاها من خطط تنموية كانت تركز على أهداف عليا تتمثل في إحداث تغيرات في بنية الاقتصاد الوطني بهدف تنمية القطاعات الإنتاجية غير البترولية، وزيادة إسهام المواطنين في التنمية وزيادة الفاعلية الاقتصادية والإدارية، ومع ذلك ذهب سابقوك، وبقيت هذه الأهداف تقرأ على الورق، ولم تشاهد بالعين على أرض الواقع.
وها أنت تجلس على كرسي أهم وزارة في البلاد (الاقتصاد والتخطيط)، ففي وزارتك تطبخ وتعد وترسم الخطط التنموية، ومنها تبدأ خطط التنمية وتنويع الاقتصاد، فالمختصون يقولون إن وزارة الاقتصاد والتخطيط هي من يرسم مستقبل البلد الاقتصادي، ويعيد الحيوية والنشاط إليه، وكل ما نشاهده في العالم المتقدم من تطور واقتصاد متنوع نتيجة لهذا الثنائي (الاقتصاد والتخطيط)، فماذا أنت فاعل أيها الوزير لاقتصادنا؟
نعلم أن وزارتك لا تقدم خدمات مباشرة للجمهور، لكن هذه الخدمات المباشرة تأتي نتاجا لما تعده وزارتك من خطط تنموية، أيها الوزير، بعد 45 عاما يفترض أن تكون الجهات الحكومية والخدمية المعنية بخطط التنمية أكثر نضجا وحيوية، وقدرة على استشراف المستقبل والعمل من أجله، لكن ذلك لا يزال كما هو دون تغيير، لكنني سأصدقك القول، إن معظم الجهات الحكومية لا تعي أهمية خطط التنمية، ولا تمنحها الاهتمام، بل قد تعيدها وتكررها كل عام مع تغيير بسيط في بعض الجزئيات، كما أن من يقوم بإعدادها في معظم الحالات لا يمتلك المؤهل والخبرة الكافيين، لذلك أهمس في أذنك، لا تعول كثيرا على الخطط القادمة من بعض الجهات الحكومية والمؤسسات العامة فيما يخص أداءها وخططها المستقبلية، بل حاول أن تشرك موظفي وزارتك المختصين مع موظفي هذه الجهات عند إعداد خططها.
يا معالي الوزير، لو كانت خطط التنمية السابقة ناجحة كما يردد البعض، لسبقنا ماليزيا وسنغافورة والنرويج ودولا أخرى بدأت معنا أو بعدنا بسنوات، فهذه الدول نجحت في تحقيق أهدافها، ومنها من صنف في قائمة العالم المتقدم، ومنها من يسير في الطريق الصحيح لبناء اقتصاد متنوع، وتعليم متميز، وقوى بشرية مؤهلة.
زملاؤك السابقون في الوزارة عملوا بقاعدة «ما لا يدرك كله لا يترك جله»، لكن هذه القاعدة لم تعد صالحة لهذا الزمان، وأخشى ما أخشاه أن يستمر العمل في القاعدة في عصرك، ويطول أمد تنويع الاقتصاد، وزيادة الفاعلية الاقتصادية والإدارية، فكل ما كان يذكر عن خطط التنمية إن لم ينقل من الورق ويطبق على أرض الواقع، فلا قيمة له.
نحن أيها الوزير، نعلم وندرك وأنت معنا، أن الطريق للتنمية المنشودة طويل وشاق، ويحتاج إلى تضافر الجهود بين جميع القطاعات، لكن ذلك لن يحدث ما لم تبدأ وزارتك وباقي الوزارات والمؤسسات العامة والخاصة في تغيير جلدها، وتلبس حلة الواقعية، وتبعد عن التنظير والتأطير الذي لم يعد ينطلي على أحد، فوعي المواطن وثقافته لم يعودا كما كانا في السبعينات وبداية الثمانينات، والإعلام الجديد قتل السرية التي تغلف بها كثير من القضايا والمشاكل، وفكر المواطن وثقافته لم يعودا مشجبا لتعليق أخطاء وفشل الوزارات في تحقيق أهدافها عليها، قبل أن يكونا أداة لمحاسبة الوزير والمسؤول الذي يفشل في عمله.
ختاما، أدعوك من هذا المنبر أن تفتح نوافذك للعمل بشكل مباشر مع الجهات الحكومية لتنفيذ هذه الخطط وتطبيقها على أرض الواقع، وعدم الاكتفاء بإعدادها وإرسالها للجهات الحكومية، كي تخرج وزارتك من عزلتها، وتصبح وزارة اقتصاد وتخطيط بالمعنى الدقيق لهذه الثنائية التي رفعت شأن أمم ودول لم تكن يوما كذلك.