التطور والتمدن سنة الحياة، فمنذ فجر الحضارات الإنسانية بصفة عامة حتى يومنا هذا والتغير سمة واضحة، وكلما زادت المعرفة الإنسانية كانت ظاهرة التغير والحركة ملموسة ودائمة ومستمرة دون توقف.

وهي حقيقة ثابتة أن المجتمع - أي مجتمع - يتغير ويتطور حتى وإن كان للموروث الثقافي دور في مواجهة هذا التغير، فنحن كجيل أخذنا من الجيل الذي سبقنا لكننا بلا شك تغيرنا في النمط المعيشي والثقافي، والجيل القادم لن يكون مثلنا بكل تأكيد، إلا في القيم التي نستمدها كما استمدها الذين سبقونا من تعاليم الدين السمح والعادات التي لا تتعارض مع الدين.

ونحن اليوم نلاحظ هذا الحراك الواسع في مجتمعنا لمواكبة من حولنا، وهو حراك كان مطلوبا منذ زمن، وعلى الرغم من أن هذا الحراك كان موجودا إلا أن وتيرته كانت بطيئة نوعا ما. فالعالم من حولنا تفاعل بشكل هائل مع القفزة الهائلة التي أحدثتها ثورة الانترنت والتحول السريع للعصر الرقمي، ونحن بقينا نقاوم هذا التغيير تحت كثير من الحجج والذرائع.

والتغيير بصفة عامة يقابل في كل مكان وزمان بالمقاومة والاعتراض والرفض، لكنه بعد فترة من الزمن يصبح أمرا عاديا، وقد عاصرنا أمثلة كثيرة من أهمها القنوات الفضائية على سبيل المثال. على أن مثل هذه التغيرات بحاجة ماسة لنشر الوعي الداعي إلى أن التغيير لا يعني الانسلاخ عن ثقافة المجتمع، وإنما الارتقاء بها في محاولة إصلاح أي خلل. ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد نقلت لنا كتب التاريخ أنه عندما بدأ دعوته قال لمن حوله «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولم يقل لتغيير أخلاقكم وعاداتكم، وإنما تهذيبها.

إن دورنا كجيل متعلم ومثقف وواع هو مواجهة الأفكار بالأفكار، فلا ينبغي لنا مقاومة التغيير، وكذلك لا ينبغي أن نسهم في هدم ثقافتنا، فلكل مجتمع عاداته وثقافته التي لا يتخلى عنها. ومن هنا تأتي أهمية تثقيف المجتمع بأهمية التغيير حتى لا يدخل المجتمع في صراع بين القديم والجديد، فالمنطق يقول أن يكون التغيير إصلاحا لا هدما وإزالة لما سبق، إلا إذا ثبت فعلا أن القديم كان في الأساس خطأ.

إن التغيير بحاجة لمساحة من الحرية المنضبطة، وإفساح المجال للجهود التي تقوم بها الدولة في هذا المجال، لأن الحرية - وهي كلمة بحاجة لشرح وتوضيح - إن زادت مثلها مثل الكبت، كل منهما تؤدي للفساد، ولا بد للدولة من التدخل بوضع قوانين صارمة تسهم في التطور والتقدم اللذين نطمح إليهما، وفي الوقت نفسه تحد من التصرفات التي تسعى لهدم القيم والمثل التي تربينا عليها والتي ميزتنا عن بقية العالم.