على رغم ما تعج به وسائل التواصل الاجتماعي من (الغث)، فإن المرء قد يجد فيها شيئا من (السمين)، الذي يعالج بعض المشاكل الاجتماعية، ويدق جرس الإنذار للسلوكيات الخاطئة.
وفي هذا الإطار اطلعت مؤخرا على مقال يدور في عالم تلك الوسائل تحت عنوان «فلوس في يد تيوس»، يستهله الكاتب بسؤال استنكاري: «هل يعقل يا مسلمون أم هذا استخفاف بعقول البشر: بعير يباع بعشرات الملايين، وسيارات تباع بالمليون، وتيس يباع بآلاف الآلاف، ورقم لوحة بمئات الألوف، وكرتونا تمر بسعر يفوق الخيال، والمتكبرون والمتغطرسون والسفهاء يتفاخرون بذلك أمام أعين الملأ، إنه غلاء غير مبرر؟!»
ثم ينبه المقال الغافلين إلى الإنذار الإلهي في الآية الكريمة «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَة أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا « ويحيلنا إلى إسقاطات المعنى المراد في جانب آخر من تصرفات بعض شبابنا السائحين في الخارج، حيث يرمون الفلوس وعقود الذهب على صدور الراقصات ويستعرضون بسياراتهم الفارهة في أزقة لندن وباريس وجنيف وماليزيا.
ومن وقائع التاريخ يسوق لنا العبر، ففي الصومال كان الأباطرة يذبحون الخروف ليأكلوا كبده فقط ويرموا باقيه في الزبالة، وهم الآن في مجاعة منذ عقود، وفي العراق كانوا يقولون ﻻ فقر في حضور النفط والتمر، والآن هم في فقر مع وجود النفط والتمر، وفي لبنان كانوا يركلون الساندويش كالكرة تحت الأقدام، والآن هم في فقر وبطالة وغلاء وتهجير، وفي أفغانستان كانت الفواكه الملونة وألوان من النعم، حتى تغطرسوا ولم يشكروا الله على النعم فأصابهم الجفاف والحروب.
ويختتم المقال بالدعاء «ربنا ﻻ تؤاخذنا بما فعل السفهاء»، ويدعو إلى حملة إرشادية وعقلانية لمواجهة الكثير من المظاهر السلبية المسببة لسخط الله وللغلاء وحلول النقم، اللهم لطفك، فالأسعار تغلو في زمان الترف والمال، ولا يرخص إلاّ سعر الإنسان وأخلاقه، ففي السابق مائة ناقة تساوي دية رجل، واليوم مائة رجـل ديتهم ثمن ناقة . فالله المستعان».
وما أشد حاجتنا إلى التفكر والتدبر فيما جاء به هذا المقال الذي يمثل صرخة تعري وتدين مشاهد السفه التي يتبناها بعضنا في الداخل والخارج.
وكم أتمنى على حكومتنا الرشيدة أن تضع حدا لهذا البطر، خاصة تلك الدعوات التي يقوم بها أصحاب الإبل وما فيها من بذخ، حيث أصبحنا نشاهد صواني مصنوعة خصيصا لتستوعب أعدادا من الحاشي وحولها عشرات من الخرفان لو أكل منها أهل مدينة بكاملها لأشبعتهم وزيادة، وكل هذه النعم يحمل معظمها شيول إلى حاويات القمامة في منظر لا يرضاه الله ولا رسوله ولا عقل سوي.
أما أولئك الذين يستعرضون في الخارج بما يملكون من سيارات وأموال يصرفونها في المساخر فيشوهون سمعة الوطن، حيث يحسب أهل تلك البلاد أن كل سكان المملكة على هذا الحال من السفه، فلا بد من معاقبة من يثبت اقترافه لهذه الأعمال المشينة كأن يمنع من السفر ولو لفترة حتى يثوب إلى رشده.