أهدتني الزميلة العزيزة الأستاذة الدكتورة نورة الشملان كتابها الجديد عن زوجها الراحل الدكتور سليمان السليم رحمه الله بعنوان (أقلام تروي)، وكسرت بهذا الكتاب حاجزا كثيفا كان قائما في تراثنا الأدبي بين الزوج والزوجة، يمنع كل واحد منهما أن يعبر عن عواطفه نحو الآخر أو يعلنها للملأ في حياته وحتى بعد موته.

ولعل هذا العمل هو الأول من نوعه الذي تعده زوجة مكلومة بالفقد والترمل عن حياة زوجها وحياتها معه، وتكشف ما بين الزوجين من ضروب المحبة والإخلاص والوفاء، فأثار كتابها سؤالا كان يراودني الحديث عنه منذ زمن بعيد هو لماذا تكون العلاقة الوجدانية مكبوتة بين الزوج وزوجته في التراث العربي والثقافة التقليدية؟ حيث لا يصرح أحدهما لقرينه بمشاعر الحب والمودة إلا نادرا وعلى خجل واستحياء.

نعرف أن الشعراء العرب أغدقوا على المرأة كل مشاعر الحب ووصفوها بكل صور الجمال حتى صنعوا منها في خيالهم الشعري أيقونة الكمال كله، وهاموا بهذا المجسم الإنساني الذي تفننوا بصياغته شعرا ونثرا وأفاضوا عليه مشاعر الحب والعشق وكل ما تعبر عنه العاطفة حتى لكأن المرأة التي يتغزل بها الشعراء مخلوق من غير جنسهم وطبيعتهم، ولشدة هيامهم بالمرأة المعشوقة جعلوا مطالع الشعر تبدأ بوصفها، فالنسيب والتشبيب والغزل مترادفات يبدؤون بها قصائدهم التي توجه إلى المرأة قبل أن توجه إلى الغرض الذي أنشئت القصيدة من أجله، هذا إذا لم يخصص بعضهم شعره كله في محاسنها ومفاتنها وقوامها ولقائها، ومع كل الوله والغرام استثنيت المرأة الزوجة من هذا الفيض العاطفي الموجه للمرأة المعشوقة، وتجاوزها الزوج إلى غيرها وتجافى عن ذكرها أو التغزل بها والحديث إليها، حتى من أجبرته الشيخوخة وهده الكبر عند وفاة زوجته وأراد ذكرها ورثاءها وزيارة قبرها كان الحاجز الاجتماعي أقوى من شوقه ووفائه لها:

لولا الحياء لهاجني استعبار

ولزرت قبرك والحبيب يزار

وراء هذا الحياء الذي يخشاه جرير عمق بعيد من التقاليد الذي رسخته ثقافة الصحراء وأيبسه جفافها القاسي وحياتها، وتفسير ذلك إن كان ثمة تفسير هي فلسفة الاحتواء والامتلاك الذي يستأثر المرء به ويستبد بالمملوك فلا يعبر عن قيمة ما يملك ولا يشرك أحدا معه في فضل ما بين يديه،

يضن بعلقه الغالي وجوهرته المكنونة، فلا يعلن شيئا عنها ولا يرى حاجة لذلك.

أما الطرف الثاني وهو الزوجة فلم يكن الأمر بالنسبة لها أفضل حالا من موقف الزوج أيضا، اختفت الزوجة في كنف الزوج واكتفت بظله وطوت عواطفها فلم تعبر عنها نحو شريك حياتها في مراحل العلاقة التي قد تطول حتى الوفاة، ولم تجد فسحة في تقاليد المجتمع يسمح لها بهذا النوع من التعبير عما تكنه لشريك حياتها، حتى إن من التقاليد الراسخة في الثقافة الصحراوية عدم مناداته باسمه أو التصريح بذكره رغم أن منهن من استطاعت تجاوز المحذور الاجتماعي وعبرت عن مشاعرها للعاشق المحبوب وإن لم يكن زوجا، وعجزت أن تتخطى الحاجز الاجتماعي بالنسبة للزوج، ولعل ليلى الأخيلية وقليل مثلها تجاوزت أسوار العادات العالية، وشكل غرامها وعشقها ظاهرة لم تكررها النساء بعدها حين صرحت بالعلاقة والعشق للرجل غير الزوج:

فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا

وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر

فتى فيه فتيانية أريحية

بقية أعرابية من مهاجر

ويبقى هل كسرت الدكتورة نوره الشملان تقاليد الصحراء حتى تتحول الزوجات إلى عاشقات وغزلات ومؤلفات بفضائل أزواجهن؟ نقول لعل وعسى أن نسمع ونرى تبرج عواطف العربيات للأزواج بعد الستر والإخفاء وإظهار المشاعر المكبوتة والمودة المستترة.

Mtenback@