أخذت القباب الجديدة للحرم المكي الشريف موقعها في جهاته الغربية والشمالية والجنوبية، بعد سلسلة من التجارب والدراسات وعمل نماذج لمحاكاتها بالقديمة في معمل أنشئ في مزدلفة خاص بترميم قطع الرواق أنشأته شركة بن لادن، المقاول المنفذ لأعمال توسعة وعمارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمسجد الحرام.
مكان تاريخيوكان مقاول التنفيذ أسند أعمال الترميم إلى مجموعة Gursoy التركية وهي شركة متخصصة في مجال ترميم المواقع التاريخية حول العالم.
وبالفعل بدأت الشركة التركية مهمتها وعالجت ورممت نحو 2754 قطعة تاريخية من الرواق تشمل أعمدة وقبابا وتيجانا ولوحات منقوشة وغيرها، لإعادة تركيبها بحسب الجدول الزمني لكل مرحلة من المراحل الثلاث لمشروع التوسعة والمقرر تنفيذه كاملا خلال 3 سنوات هجرية تنتهي قبيل موسم حج هذا العام 1436.
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبدالوهاب أبوسليمان في تصريح خاص لـ»مكة» أن المحافظة على الرواق التاريخي في المسجد الحرام وإسناد أعماله إلى شركة متخصصة في أعمال الترميم بناء على توجيهات وحرص وتأكيد من الملك عبدالله بن عبدالعزيز بأن يتم الحفاظ على هذا المكان التاريخي، وأضاف: أعتقد أن الرواق سيعود كما كان تنفيذا لهذه الإرادة الملكية.
وكان أبوسليمان زار معمل ترميم الرواق في جمادى الآخرة العام الماضي برفقة أمين العاصمة المقدسة الدكتور أسامة البار والأستاذ الزائر بمركز التحليلات الجغرافية بجامعة هارفارد الأمريكية الدكتور معراج مرزا للاطلاع على أعمال ترميم أجزاء الرواق وخطوات العمل الجارية.
وكان آخر بناء للقباب جرى في التوسعتين السعوديتين الأولى والثانية لعمارة الحرم المكي الشريف، بينما التاريخية منها تعود إلى آخر بناء للرواق العثماني في عهد السلطان سليم الثاني وابنه مراد وتحت إشرافه بين عامي 980 ـ 984هـ.
وكان خبراء الشركتين السعودية والتركية فوجئوا بعد أن قاموا بعمل الفحوصات الفنية لآلية بناء القباب التاريخية في الرواق العثماني قبل فكها، باكتشاف سر من أسرار العمارة الإسلامية ظل غير معروف طوال 450 عاما في بناء هذه القباب الفريدة.
فنون الهندسة وبحسب الدكتور معراج مرزا الذي زود «مكة» بصور خاصة، فإن خبراء مجموعة Gursoy التركية أبلغوه خلال زيارته للمعمل أنهم توقفوا طويلا أمام طريقة بناء القباب في الحرم المكي.
وأكدوا له أنهم لم يشاهدوا قط مثل هذه الطريقة فيما سبق، وأن تصميمها يعد سابقة لفنون الهندسة والعمارة في العصر الحديث، على الرغم من أن عمارة القباب على المباني التاريخية يسبق بكثير تاريخ بناء قباب الرواق العثماني في الحرم المكي الشريف.
وأشار إلى أن الشركة التركية توصلت بعد الدراسات الهندسية إلى أن المعماري الذي قام بتنفيذ هذه القباب انتهج أسلوبا خاصا وبعبقرية لافتة، تمييزا لموقعها الشريف في بيت الله العتيق.
وزاد: إن رئيس الشركة أبلغهم باعتقاده أن أبا العمارة التركية المعماري العظيم «سنان باشا» (895هـ - 996هـ / 1490م ــ 1588م) هو من وقف وراء ابتكار هذه الآلية الجديدة وغير المسبوقة في بناء القباب التي كانت عنوانا بارزا في عبقريته المعمارية وخاصة في هندسة الفضاءات المفتوحة داخل البناء، عندما قام بتصميم وتنفيذ عمارة الحرم المكي، وترميم القباب فيه عام 945هـ / 1539م باستخدام طريقة العقد الركني ذي الفصوص الظاهرة على شكل محارة، في عهد السلطان سليمان القانوني (926هـ - 973هـ / 1520-1566م) الذي عرف عصره بالعصر الذهبي للدولة العثمانية.
نقوش الحجاز وبالعودة إلى كتاب الدكتور محمد بن فهد الفعر «الكتابات والنقوش في الحجاز في العصر المملوكي والعثماني من القرن الثامن الهجري حتى القرن الثاني عشر الهجري» ذكر المؤلف أن شيخ المهندسين في مصر محمد جاوش المعمار هو المهندس الذي تمت عمارة المسجد الحرام في عهد السلطان سليم الثاني وابنه السلطان مراد تحت إشرافه خلال أربع سنوات فقط بين عامي 980 ـ 984هـ.
وأكد المؤلف في كتابه القيم (ص 401): «يمكن القول إن هذا المهندس أو المعمار هو أول من أدخل نظام القباب في عمارة المسجد الحرام بأمر من السلطان سليم الثاني».
وأضاف «ولما أرادوا تسقيف المسجد بالقباب وجدوا أن ذلك غير ممكن لأن أساطين الرخام التي ترجع إلى عمارة الخليفة المهدي العباسي (158 ـ 169هـ) في عمارتيه الكبيرتين للمسجد الحرام سنتي (160 ـ 169هـ) لا تستطيع تحمل القباب لضعفها، لأن القبة يجب أن تقوم على أربع دعائم قوية من جوانبها الأربعة، حتى تستطيع أن تتحمل هذه القباب.
فلجؤوا إلى حل لهذه المشكلة يتلخص في أن يبنوا بين كل أسطوانة رخام وأخرى دعامة حجرية يكون سمكها بمقدار أربع أسطوانات بحيث يكون بناؤها عبارة عن دعامة حجرية في أول الرواق، ثم أسطوانة من الرخام، ثم دعامة حجرية، ثم أسطوانة من الرخام، وهكذا حتى نهاية الأروقة.
وكان هذا الوضع بالنسبة للجوانب الثلاثة من المسجد وهي الشرقي والشمالي والجنوبي.
أما الجانب الغربي فلم يكن به أسطوانات من الرخام، وإنما كان به أسطوانات حجرية جعلت بدلا من أساطين الرخام عندما احترق المسجد الحرام سنة 802هـ، وقام بتعميره السلطان فرج بن برقوق سنة 804هـ».
بناء مختلف وبالمقارنة بين الروايتين يبدو أن محمد جاوش المعمار كان يعمل وفق توجيهات المعماري الشهير سنان باشا الذي عينه السلطان سليمان القانوني بمنصب كبير مهندسي الدولة العثمانية، وقام بتنفيذ أكثر من 440 بناء مختلفا في سائر أرجاء الدولة العثمانية طوال حياته التي قاربت من مائة عام.
وكانت الشركة التركية أنشأت نماذج محاكاة لهذه القباب والأروقة في معمل الترميم بمشعر مزدلفة، للتأكد من قدرتها على إعادة بناء الرواق بالطريقة نفسها التي تمت بها في القرن العاشر الهجري وبأعمدة يعود بعضها إلى القرن الثامن (العهد العباسي).
يذكر أن عدد القباب في المبنى العثماني القديم يبلغ 152 قبة موزعة في الواجهات الأربع المحيطة بالكعبة المشرفة.
ولم يتسن الحصول على عدد القباب التي سيتم إنشاؤها فوق أسطح الرواق الجديد الذي يتم تنفيذه الآن ضمن مشروع توسعة صحن المطاف حول الكعبة المشرفة، ورفع الطاقة الاستيعابية من نحو 50 ألفا إلى 105 آلاف طائف في الساعة، وبدأت مطلع العام الهجري الحالي أعمال المرحلة الثالثة للمشروع والتي شملت فك وإزالة الجانب الشرقي للرواق، وإلغاء الواجهة التاريخية بحسب متطلبات التصاميم الأخيرة التي قضت بضرورة إزالة هذا الجانب المحاذي لمبنى المسعى بين الصفا والمروة تحقيقا لفك الاختناق وزيادة الطاقة الاستيعابية للطائفين بحسب تصريحات مسؤولي الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.