',
الرأي
الخميس 10 رمضان 1440 - 16 مايو 2019
رواشين جدة تعود للحياة

لطالما أثارت رواشين ومباني جدة التاريخية الدهشة في نفوس قاصديها، وأحيت في مشاعرهم كثيرا من معاني البهجة، ورسمت على ملامح السياح والزائرين عبقا من نكهة الحضارة السعودية، فجدة كما هو معهود عن تاريخها بوابة الحرمين الشريفين، والعاصمة الاقتصادية والتجارية للمملكة، وثاني أكبر المدن السعودية، تمتعنا دائما بشواطئها الفسيحة وأسواقها الشعبية التي تعج بعاداتها العتيقة وتقاليدها الثرية وفلكلورها الجذاب وأكلاتها الشعبية الشهية ومهرجاناتها الغنية بألوان الثقافة ومراكز التسوق، هذه جدة التي يعشقها الشعراء ويقصدها السياح ويقطنها تجار المملكة ورجال الأعمال.

في عمق جغرافية جدة القديمة، تتوسط بنايات قديمة تعود لأسر أهالي جدة القدماء، تعود تاريخية بعض هذه المباني العتيقة إلى خمسة قرون ماضية، ومع تكالب الأحقاب الزمنية عليها شرعت العوامل الطبيعية بتهديدها وجعلها آيلة للسقوط والتلاشي، وعلى الرغم من أن تلك المباني مقيدة في سجلات التراث العالمي لليونيسكو منذ العام 1435هـ / 2014، إلا أن قضية ترميمها وإعادة رواشينها إلى الحياة باتت ضرورة ملحة، ومن هنا جاءت اللفتة الكريمة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بترميم نحو 56 مبنى تراثيا وحضاريا في منطقة جدة التاريخية، مساهمة سامية منه في المحافظة على المكتسبات السعودية.

الجميل في واقع المشروع التاريخي أن إنجازه سيكون بسواعد وطنية مؤهلة وتحت إشراف وزارة الثقافة بقيادة الأمير المثقف والفعال بدر بن عبدالله بن فرحان، كما تشرف على مخرجات المشروع فرق علمية تتشكل من أفضل خبراء الترميم والمباني التاريخية في العالم، كما سيجري تنفيذ هذا المشروع الحضاري وفقا لتصاميم التراث العمراني المعهودة عن جدة القديمة، ولهذا تأتي توجيهات ولي العهد لتعطي ترجمة واقعية لمواد الرؤية الوطنية التي تنص على الاعتزاز بتراث الوطن والمحافظة على مكتسباته الحضارية وإحيائها وتأهيلها حتى تعطي الصورة المشرقة عن تاريخ المملكة وحضارتها الوطنية، فمنطقة جدة التاريخية تمثل جزءا أصيلا من منظومة الإرث الحضاري السعودي الذي يمثل رافدا مهما وقويا لبرنامج القوة الناعمة الوطنية.

إن ما يميز مشروع ولي العهد الثقافي أنه يمثل جزءا مهما من منظومة شاملة لإنقاذ المواقع السياحية والتاريخية في المملكة، كما يعبر في منهجيته عن مشروع وطني يهدف إلى الحفاظ على آثار المملكة المنتشرة في جغرافيتها القارية من كل المهددات الزمنية والطبيعية التي تؤدي إلى زوال تلك الآثار واندثارها، وذلك حتى تبقى رموزا وطنية وشواهد حضارية راسخة على العمق الحضاري السعودي، ولا سيما أن مباني جدة التاريخية وعناصرها المعمارية الثرية ورواشينها السامقة تعود في بعض إنشاءاتها إلى العصور الإسلامية الوسطى، كما تمثل في نقوشها ورسومها الخشبية رقيا إنسانيا يعكس آفاقا رمزية من فنون العمران والزخرفة الإسلامية بكل أبعادها الحضارية.

وأخيرا، يأتي اهتمام الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، بالمناطق التاريخية في المملكة حرصا منه على السياحة الوطنية، لتحصين عراقتها الضاربة في جذور التاريخ الإنساني، ودعما من القيادة العظيمة لتسجيل آثار المملكة الحضارية ضمن قوائم التراث الوطني العالمي، وكذلك حفاظا على مكتسبات الوطن الناعمة، فشكرا لولي العهد على لفتته الكريمة.

albakry1814@


أضف تعليقاً