المجتمع السعودي أصبح صانعا للنكتة بشكل ملفت خلال العقد الأخير على الأقل، وهذا له دلالاته وأبعاده التي يدرك علماء الاجتماع أسبابها وتأثيرها، ولعل أبرز الأحداث التي استعرض فيها السعوديون قدراتهم في صناعة النكتة اللاسعة خلال الأيام الماضية هي ردة فعل لحديث معالي وزير الإسكان الأستاذ ماجد الحقيل، ومختصر كلام الوزير - حسب ما فهمته أنا كواحد من القطيع كما يسمينا النخب سواء تلميحا أو تصريحا- أن مشكلة الإسكان هي مشكلة ثقافة وفكر، فالمشكلة -حسب رأي معالي الوزير- أن المواطن (المرفه) يرغب في تملك بيت كبير لا تقل مساحته عن 600 متر مربع، ولا يؤمن بالتمرحل حيث يبدأ المواطن ببيت صغير، وبعد أن تتحسن ظروفه يفكّر بتملك بيت العمر.
وهذا الكلام مقبول في حالتين فقط، الحالة الأولى: في حال أن الوزارة جهزت شققا صغيرة لمن يرغب بالتملّك من المواطنين، وبح صوتها وهي تنادي ليلا ونهارا أن يبادر المواطن لاستلام بيته (الجود من الموجود) لكن المواطن يرفض استلام الشقة، ويحلف بأن قدمه لن تطأ بوابة وزارة الإسكان ما لم يكون بيتا واسعا به حديقة ومسبح وملعب جولف، لكن الواقع أن الوزارة تعاني من مشكلة رفض المواطن للبيت الصغير الذي لم تنجزه أصلا!، هنا فعلا تتجلى المشكلة بوضوح -مشكلة فكر- فالوزارة سبقت تفكير المواطن بسنوات، وتوصلت لنتيجة بأن مشاريعها التي (تفكّر) بتنفيذها لن تناسب المواطن، لهذا هي تسعى لتعديل (فكر) المواطن ليكون مؤهلا لفكرها التقدمي، وقتها سيكون من السهل عليها أن تبدأ بتنفيذ المشاريع!
الحالة الثانية التي يكون هذا الكلام فيها معقولا لو صدر من منظّر أكاديمي يقرأ احتياجات الناس من خلال نظريات غربية ويوجه كلامه لكراس خالية في ناد أدبي مثلا، لكن أن يصدر هذا التبرير من الشخص الذي يؤمل منه أن يوجد حلا، فتلك أشبه بأن ترفض مؤسسة صرف راتب لعامليها بحجة أن الراتب أصلا ضعيف ولن يستفيد منه العامل!
الأمر الملفت هو تصدي عدد من المثقفين وكتّاب الرأي لغضبة المواطن الحضارية -بصفة النكتة أسلوبا حضاريا مؤدبا للتعبير عن الرأي- للدفاع المستميت عن رؤية معالي الوزير، والملفت أكثر هو مقابلة سخرية الشارع ليس بسخرية مماثلة من باب (البادئ أظلم)، بل باستهزاء مقيت، وتندر على (فكره) الذي لم يستوعب فكرة الوزير العظيمة، واتضح (المحكّ الفكري) للمنادين دوما عن احترام الرأي الآخر، حيث كانوا أول من سعى للنيل منه ومحاولة إلغائه بداعي جهل وتخلّف قائله!
والسؤال: ماذا لو تراجع الوزير عن رأيه واعتذر للمواطنين، وقال إن فكرته متسرعة، فالمفترض أن يبني رؤيته على واقع، وليس تخمينا بأن المواطن يرفض السكن إلا بمساحة معينة؟ وماذا لو جهزت الوزارة إسكانا في وقت قياسي، مساكن بمساحة لا تتجاوز 200 متر مربع، وتسابق المواطنون للظفر بها؟ سيجد الوزير نفسه مضطرا للاعتذار، وبالطبع لن يعتذر المدافعون، بل سيتغنون بالوزير الذي يمتلك شجاعة الاعتذار والاعتراف بالخطأ! وأنتم؟