أول ما يصدم في مذبحة باريس وأشباهها مما تجرعه العالم وسيتجرعه من أمثال «داعش» هو دلالة الإرهاب على العبثية والعدم واللامعنى بأتم ما تكون الدلالة على ذلك وأشده تأكيدا. فلا مبرر مقنعا عقليا أو دينيا لقتل الأبرياء، وإذا انتفى أي مبرر بهذا المعنى فأنت أمام فعل عدمي ولا معقول. إنه الانتحار اليائس الذي يليق بفكر
لا يقبل التعايش ولا الوجود مع آخر، ولا الاستيعاب له، ولا يقدر على ذلك: فكر متوحش ومنغلق على ذاته التي يتوهم تطابقها مع صورة غير تاريخية للهوية ويسعى إلى فرضها على غيره. وطبيعي ما دام الأمر كذلك أن يستشعر هذا الفكر رفض العالم له، واجتماعه على القضاء على أي كيان يمثله؛ فهو في منظور العالم خطر على الإنسانية بأسرها وراء خطورته على ذاته.
هذا الرفض المتبادل بين فكر داعش وما يشبهه وبين العالم يلقي بتبعاته على معاناة العرب والمسلمين في العالم ويسيء إلى دينهم ووجودهم وقضاياهم. فما دامت الجماعات الإرهابية تبرر عنفها ودمويتها زورا بالدين الإسلامي، وتنتسب إلى المسلمين، وتقتل غير المسلمين كما تقتل المسلمين دفاعا عن وجودها الذي يلتبس بدفاعها عن الإسلام وتنتصر لأيديولوجيتها التي تشتبه بالانتصار للمسلمين، فإنها هي الإسلام وعصابتها هم المسلمون
بلا فرق! ولهذا كانت ظاهرة الإسلامفوبيا التي تتزايد مع تزايد جرائم الجماعات المتأسلمة، مددا لم يحلم بالوصول إليه وترسيخه تجاه العرب والمسلمين، الفكر اليميني الغربي والصهيوني، تماما كما كانت وستكون مددا لترسيخ الحكم الاستبدادي في العالم العربي والإسلامي، كما هو حال الأسد الذي كانت حبل نجاته.
لكن الغريب أن يتحول أي حدث إرهابي تقترفه الجماعات المتأسلمة تجاه الدول الغربية، كما هو الحال في هجمات باريس أخيرا إلى تذكير للغرب باعتدائه على العراق، وتباطؤ تدخله في سوريا ودعمه لجرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين... إلخ. بل إلى تذكر زمن الاستعمار، وقبله الحروب الصليبية. فسواء اقترن ذلك التذكير بالإدانة للإرهاب أم لم يقترن، فإن التذكير يحمل تبريرا للإرهاب وتسويغا له وشيئا من التشفي والدلالة على الرغبة في الانتقام. ولن يجد المرء مبررا أبدا لجرائم الغرب أو تواطئه لكن هناك فارقا ينبغي حسبانه تجاه الجماعات الإرهابية؛ فهي ميليشيات منفلتة وليست دولا، ولا يمكن حسبان أي جريمة تقترفها جماعة أو تنظيم إرهابي في وارد الدفاع عن حق أو المحاماة عن مبدأ مشروع، وإلا كنا خارج أي إطار إنساني لمعنى الحق أو المبدأ.
أما الأشد غرابة، فهو وجود أصوات تشكك في وجود الجماعات الإرهابية المتأسلمة، أو في قدرتها إن كانت موجودة على تدبير جرائم في مستوى مذبحة باريس وقبلها مذبحة 11 سبتمبر. فهذه الجرائم – من هذا المنظور- كما هي الجماعات الإرهابية المتهمة بها والمنتسبة إلى الإسلام صنيعة استخباراتية لدول وأنظمة؛ هي أمريكا، ونظام الأسد أو إيران في حالة داعش... إلخ.
وهذا تفسير مألوف في نسبة ما يكرهه الإنسان إلى عدوه وإدراجه تحت لافتة المؤامرة التي يصنعها دائما الأشرار لاستهداف الطيبين وتشويههم. وأكثر ما يشيع التفسير بالمؤامرة عند المتعاطفين مع الجماعات المتأسلمة الذين يضفون عليها من خيالهم صورة رومانسية تجمع بين التضحية والبراءة، وحَمْل مسؤولية الدين والأمة والتنزه عن أغراض الدنيا. والمشكلة ليست في خذلان الإرهابيين هذا الخيال الطيب الحالم، بل في تحول هذا الخيال إلى درع حماية من حيث لا يعلم لما يتشظى من الشر المستطير باسم أسمى القيم الدينية وأنبلها.
ولا يقل عن ذلك غرابة، خفوت الاستنكار الشعبي لجرائم الجماعات المتأسلمة، التي تحدث –خصوصا- في الغرب، كما هو حال مذبحة باريس. فأكثر ما يكون الإنكار هنا في زوايا الكتاب الصحفيين الذين يجمعهم الخطاب الإيديولوجي المتأسلم عادة تحت لافتة الليبرالية ومشتقاتها. وإذا أيقنا بأن الإدانة لتلك الجرائم هي صيانة لشرف العرب والمسلمين من نسبة العدوان على الأبرياء إليهم باسم الإسلام، فإن الإدانة لها بأعلى صوت هي مسؤولية أئمة المساجد وكل غيور على الدين. وسيكون السكوت عن ذلك فضلا عن التورية عنه والتبرير له علامة استفهام تقريري بكل مآلات دلالته المحزنة.
هذه العدمية... هذا العبث!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
