حملت (بقشة) ذكرياتي الجميلة القديمة، وذهبت للبحث عن قاهرة المعز التي أتذكرها، فوجدت أنه قد تم دفنها بين صلادة معمعة جدران ما يسمى بالقاهرة الكبرى، وهي نفس حكاية المدن العربية الحديثة المنهكة، والتي تنكرت للخضار، وشرقت بالعجاج، وقطعت شرايين الجمال، وتمددت أوراما خرسانية على مساحات مهولة، يتزاحم بين جدرانها عشرات الملايين من البشر لدرجة الاختناق.
كانت دهشتي عظيمة بعد طول غياب، فوجدت الشعب فيها يجري جري الوحوش، فلعله أن يحوش؛ ولا تسألوا عن وجوه متعبة شاحبة لم تعد تعرف البسمة، ولا تجد السعادة، وألسن تبرأت من حس النكتة.
لا تسألوا عن شقاء وشد يتعاظم بساعات زحام تطول ولا تنتهي، وسيارات متحفزة تعشق النذير، وتطارد عصبية العصر متحايلة على الشوارع؛ وأجسام تهيم على أنفسها وهي تتخطى أكوام التراب والأرصفة والشوارع وتزرع أعينها على شاشات أجهزة تحملها بأيديها، للهروب من واقع عصيب.
الثقافة والفنون والمسرح اختفت من أرض الواقع، وتبددت موسيقاهم الشرقية الجميلة، التي بدعوها في سنوات عزهم، ليستبدلوها بنشاز وخبط ورزع يقارع أصواتا ناعقة بلا طعم ولا ملامح، متنكرين لتراث الماضي الثمين.
النساء يرتدين زيا موحدا مقاوما لكل ظروف الشارع المزعج، ويتناسب مع حياة شد يطغى عليها السواد.
الأهرام وأبوالهول، التي كانت تمثل تحدي بناء قواعد المجد، حينما وقف الخلق جميعا، تدهورت بالإهمال، وأبدع القائمون عليها في تطفيش السياح بالبدائية والعشوائية وجعل الزائر يشعر بأنه مشلوح تحت وهج الشموس، يتقي هجمات من يقابلهم في نزهته من مسؤولي أمن، وسائسي خَيل وجمال وباعة وأدلاء لا يكفون عن محاولات ابتزازه بكل وسيلة ممكنة تنغص عليه زيارته، وتطلع عينه.
المتحف الوطني المصري المتهالك المنسي، رغم ما يحتويه من آثار ونفائس وتحف وأيقونات لا تقدر بمال، ومما يمكن أن يكون متعة لأهل الأرض أجمع، ومنارة علم وتثقيف، ودخل قومي أول للقطر المصري؛ ولكنه بتهالك وقدم مبناه، وعدم وجود تقنية لحماية الآثار، المتضررة بالأجواء الصعبة، وضياء الشمس، وعبث الزوار يدل على تقصير وإهمال وزارة السياحة والآثار، وغياب الحكومة المصرية، بتطلعهما للرخيص، والموجود أغنى وأفضل.
كثير من متاحف العالم المرموقة ستسعد بالمشاركة في إعادة بناء وتجهيز متحف مصري جديد بالتقنيات الحديثة، وبعيدا عن البيروقراطية العجيبة، وبالتخلص من المرشدين، وتحويل طرق العرض والصوت إلى وسائل آلية لا يدخل فيها العرض والطلب، وبتحسين وسائل الإضاءة وتكريس النظافة وحفظ الأثر، ليكتمل الجمال.
ثم إنه ومن خلال محتويات هذا المتحف الغني، ومما يوجد بمستودعاته يمكن فتح عدد كبير من المتاحف في مختلف أرجاء المدن المصرية، لمزيد من الفائدة والثقافة، والدخل، والمحافظة على التراث من الضياع والاندثار.
أحياء ومساجد التراث مثل السيدة زينب والحسين والأزهر والقلعة، أصبحت شبه ملاجئ للفقراء والعجزة والشحاتين، وهي تعاني من تدني نسبة النظافة في المقاهي والمتاجر المحيطة بها، وعمال المقاهي يتخاطفون الزوار لمحلاتهم بالقوة، مما يسيء للمنظر العام، ويجعل السياحة معاناة للسائح، وذكرى أليمة لا يفكر بالعودة لها.
هذه بعض ملاحظاتي المحبة لقاهرتي الحبيبة، وأتمنى أن تصل للمخلصين فلا يستمروا بالمشي حفاة على جسور من الذهب.