خلال 12 شهرا فصلت بين قمة مجموعة العشرين السابقة التي احتضنتها مدينة بريزبن الأسترالية والقمة الحالية التي تعقد في مدينة أنطاليا التركية هذه الأيام، حدثت خلالها تغيرات كثيرة على الخارطتين السياسية والاقتصادية، والتغيير في إحداهما يؤثر في الآخر بشكل كبير، لوجود ارتباط بينهما وثيق، فالسلم العالمي شرط أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي واستمراره.
هذه القمة تكتسب أهمية خاصة تأتي من أن الدول الأعضاء في هذه المجموعة تمثل ما يقرب من 90 % من الاقتصاد العالمي، و80 % من ثلثي سكان العالم والتجارة العالمية، وبالتالي لها ثقل كبير في نمو الاقتصاد العالمي وقيادته.
ستركز قمة مجموعة العشرين الحالية على ثلاثة محاور تنموية رئيسة هي الشمولية والاستثمار والتنفيذ، وستكمل مساعيها السابقة في تعميق التنسيق والحوار والتعاون بين بلدان المجموعة والاقتصادات النامية، إلى جانب التنمية المستدامة وزيادة الاستثمارات وتطبيق القرارات ومتابعتها، كما سيعقد على هامشها جلسات مجموعة العشرين للأعمالB2، والتي تم تشكيلها بمبادرة من تركيا لمناقشة المسائل المتعلقة بالتوظيف ولتبادل الأفكار حولها. كما ستقدم مقترحات للقادة خلال قمة L20 للنمو والتوظيف الأكثر شمولا ولأجل التوازن والاستدامة للعالم. وسيناقش المشاركون المقترحات التي تم طرحها في قمة B20 لخلق مزيد من فرص العمل وتحسين أداء أسواق العمل.
قبل الدخول في تفاصيل ما هو متوقع أن يدور في أروقة هذه القمة، هناك سؤال لا يقل أهمية عن المتوقع منها، ما الذي تغير خلال الـ12 شهرا الماضية في المجالين السياسي والاقتصادي؟ سياسيا، هناك تغيرات جوهرية حدثت في الساحة السياسية أبرزها التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني - الغربي، ودخوله حيز التنفيذ، تمدد داعش والإرهاب بشكل كبير ووصوله لأوروبا، استمرار التدخل الإيراني في شؤون الدول الخليجية واتباع السياسيات التحريضية، وازدياد عدد اللاجئين بشكل كبير، وحرب دعم الشرعية في اليمن.
وفي المجال الاقتصادي، استمر تراجع أسعار النفط بشكل كبير لتفقد أكثر من ٥٠٪ من قيمتها خلال عام، مع تخمة في السوق النفطية بنحو مليوني برميل، وزيادة إنتاج النفط الصخري والرمالي، وفوق ذلك كله استمرار ضعف النمو الاقتصادي رغم كل محاولات التحفيز الاقتصادي، وتباطؤ النمو المفاجئ في الاقتصاد الصيني، علاوة على أن كثيرا من الدول لم تتعاف من آثار الأزمة المالية 2008 حتى الآن، وازدياد مستويات الفقر في بعض الدول.
ماذا تعني هذه التغييرات؟ هو السؤال الآخر الذي يرتبط بسابقه، والإجابة عنه شرط أساسي لتكتمل الرؤية، هذه التغييرات تعني أن حسابات الدول واستراتيجياتها ومصالحها تغيرت، ولم تعد كما كانت عليه في القمم السابقة، حتى وإن لم يعلن ذلك رسميا، والدليل على ذلك التجاذبات والانقسامات السياسية والتوظيف الاقتصادي لها الذي كان حاضرا في التصريحات الرسمية طوال الفترة الماضية، منطقيا وفقا لذلك أن يجتاح الجانب السياسي القمة بقوة، ويكون له الوزن الثقيل في الحضور والنقاش، وسيطغى على الهدف الأساسي من هذه القمة المتعلق في القضايا الاقتصادية والمالية، وتعزيز الاستقرار المالي العالمي.
لكن ذلك لن يعني تغييب الاقتصاد بشكل كلي، فأسعار النفط وإمداداته تحضر في كل مناسبة سياسية كانت أم اقتصادية، لكن الحديث عنها من قبل الدول الصناعية اختلف بشكل جذري عما كان في القمم السابقة عندما كانت الأسعار فوق 100 دولار، لكن التغير المناخي و»بروتوكول كيوتو» قد يكون اقتصاديا هو الحاضر الأبرز، كون هذه القمة تأتي قبل مؤتمر الأمم المتحدة (21) للتغير المناخي الذي سيعقد في باريس، ولا يزال التجاذب السياسي والاقتصادي حوله قائما، لا سيما أن هناك دولا لم تلتزم به، ولم توقع عليه حتى اليوم.
بقي القول إن الاقتصاد والقضايا المرتبطة سيكونان أقل حضورا وأهمية في هذه القمة مقارنة مع المؤتمرات السابقة لمجموعة العشرين، لكن ذلك لا يقلل من الفائدة التي يمكن تحقيقها من المقترحات التي ستطرح في جلسات مجموعة العشرين للأعمال B20 الخاصة بمسائل التوظيف وتبادل الأفكار حولها، وكذلك مقترحات القمم الفرعية المنبثقة عنها مثل قمة شباب الأعمال Y20 وقمة العمل L20، وتوظيفها إيجابيا لصالح الاقتصاد السعودي.