منذ أن أطل «واتس اب» بوجهه الجميل على حياتنا اليومية، وأنا أرفض المشاركة في أي جروب غير عائلي أو يزيد عدد أفراده على 7 أشخاص. أخيرا نجح أحد الزملاء في إقناعي بالانضمام لأربعة جروبات مختلفة التوجه والأفكار والاهتمامات، أعضاء كل واحد منها 100 عضو من معظم الدول العربية والخليجية، لا تربطني بهم أي صلة سوى المشرف الذي رشح اسمي للانضمام إليهم. هذا الأمر حول جهازي إلى مكتبة مرئية متنقلة تضم مئات المقاطع المصورة، بعد أن منحت «واتس اب» خاصية التحميل التلقائي.
هذه المقدمة الطويلة الهدف منها التأكيد على أمرين، الأول، أننا بالفعل أصبحنا على مقربة بعضنا من بعض رغم بعد المسافات التي تفصلنا على أرض الواقع. والثاني، أن أي حدث يظهر على أي بقعة جغرافية في العالم، سيصل إلى جوالك في دقائق معدودة لا محالة. ومن لم يصله المقطع بهيئته الحقيقية، فبالتأكيد سيصله الرابط الدال عليه في «تويتر» أو «يوتيوب»، وعليه تصبح الحجة بأنني لم أشاهد المقطع أو أسمع بتبعاته غير مقبولة أو مبتذلة.
هذا يقودني إلى التساؤل: هل مئات المقاطع المصورة لبعض منسوبي القطاعات الحكومية، إما لأفعال ارتكبوها، أو لردود أفعال على أعمال تعرضوا لها، ومن ثم انتشارها بين الناس، وتفاعل المسؤول معها بالتحقيق والتوجيه بالعقوبة، ألم تقرع ناقوس الخطر لأولئك الذين ما زالوا يدمنون على توثيق أعمالهم، إما للتباهي أو الذكرى؟
ما الذي يمكن استنتاجه من إصرار البعض على تصوير مقاطع شخصية في أوضاع قد تكون حميمية، وأخرى عنصرية، وثالثة سلوكية، ورابعة لاإنسانية، وخامسة لانظامية، والمداومة على ذلك بالرغم من الملاحقة التي تطال منفذيها؟
إذا كانت المقاطع التي صورت دون معرفة أصحابها، كـ «قايش» موظف الترحيلات، و»كف» عسكري جسر الطواف، وتلفظ موظف الجوازات، قد تسببت جميعها في وقوع أصحابها تحت طائلة المساءلة القانونية، فكيف يجرؤ بعضنا على توثيق «مخالفته» بنفسه؟
ألم يسمع بعاقبة حادثة اعتداء برجس، أو تحرش نفق النهضة، أو تحية مزايين الإبل، أو استعراض طالبي الكلية الأمنية، أو تعذيب الكلب، أو «تلطيش» عامل النظافة وسائق الليموزين، أو صيد «الضبان» أو رقص المدرسات؟
الأكيد أن اللامبالاة وعدم المسؤولية اللذين أصبحا سمة الكثيرين منا، هما ما يدفع البعض لارتكاب الحماقات دون تقدير عواقبها، لتكون النتيجة في نهاية الأمر كارثية، ليس على الشخص نفسه، بل على مجتمعه بشكل عام.
يبقى القول، إن إضفاء القداسة على المجتمع وأبنائه، والزعم بأنه أبعد ما يكون عن ارتكاب الجرائم فضلا عن الموبقات، بهدف تبرير هذه الانفلاتات، هي محاولة فاشلة لدفن الرؤوس في الرمال، ومنح هؤلاء المنفلتين صك البراءة مسبقا لجميع زلاتهم.

