بينما يشهد العالم الحديث استقطابا يتصاعد مع ازدياد حدة المواجهات السياسية والعسكرية في كثير من مناطقه، شاءت المصادفة أن يحل «يوم التسامح العالمي» بعد يومين فقط على استهداف باريس بهجمات خلفت عشرات القتلى، في موقف أعاد وبقوة طرح أسئلة العلاقة بين الشرق والغرب، في ظل واقع أصبح فيه التسامح ضرورة ليس فقط للتعايش بل وحتى للبقاء.
بقراءة سريعة سنجد أن الأدب والثقافة يمثلان ميدانا رئيسا يحتكم إليه التسامح بين البشر، حيث يقترن الفكر والمعرفة بإيصال الإنسان لأعلى مراتب السمو الروحي الذي تتلاشى عنده الاعتبارات الضيقة، ولا يعلو فيه صوت على صوت المحبة والسلام مع النفس أولا، ومع العالم والمحيط بدرجة ثانية لا تقل أهمية.
ومن يتتبع حركة الإبداع الأدبي خلال العصر الحديث فسيجد أن حوار الحضارات لم يكن أطروحة فكرية فقط، وإنما كان مكونا أساسيا في ذهنية ونتاج عدد من الأدباء الكبار، حيث شكل التلاقي الحضاري في عقولهم قبل حياتهم الملموسة عاملا قامت عليه تجاربهم الكتابية.
«جوتة» الأديب الألماني المعروف مثلا، كانت أعماله تستلهم الكثير من التأثير العربي والإسلامي، فرضية أثبتتها الباحثة الألمانية - الأمريكية كاترينا مومزن التي يصعب الحديث عن جوتة والعالم العربي والإسلامي دون الرجوع إليها، ذلك أنها أهدت حياتها العلمية والأكاديمية الممتدة على مدار عقود إلى أعمال جوتة وعلاقتها بالثقافة العربية والإسلامية.
كان جوتة مطلعا على القرآن الكريم وحكايات ألف ليلة وليلة والمعلقات الشعرية العربية، والشعر الفارسي المتمثل في شعر حافظ الشيرازي، وغير ذلك من روافد الثقافة العربية والإسلامية، بل إنه قال»ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية».
تجربة أخرى رغم اختلافها النوعي إلا أنها تحمل الطابع نفسه من الالتقاء لثقافتي الشرق والغرب.
والحديث هنا عن جبران خليل جبران الذي نجح عبر تجربة أدبية رائدة أن يكون الأديب الذي يفخر به الغربيون كما يفخر به العرب تماما.
عبر المهجر حمل جبران الثقافة الشرقية ليعيش في الولايات المتحدة صانعا من طبيعة الحياة الاجتماعية والمفهوم الحضاري فيها مصدر إلهام ثقافي ولغوي مختلف كليا لمسيرته الأدبية، لم يلبث كثيرا حتى أصبح جزءا من شخصية جبران الأدبية، وكان نتاج هذا مجموعة من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية معا.
جبران وجوتة.. وجهان للأدب المتسامح
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
